هناك عوائل في قطاع غزة، نجت من آلة الموت الإسرائيلية طوال فترة الإبادة على غزة التي امتدت لـ 700 يوما، ولكن بلا شك هذه النجاة جزئية، فالذي نجى بجسده ولم يفقد أحدا من عائلته، لم ينجو من أثارها النفسية وانعكاستها على واقع نسيج الأسرة بغزة، خاصة أن أغلب الأسر فقدت منزالها وخاضت تجربة النزوح وأصبح منزلها خيمة لا تقي من حر الصيف ولا برد الشتاء.

 في سياق ما، من خلال هذا الرصد الميداني لواقع العوائل بغزة التي أضحت الخيمة الملاذهم الأخير، ممكن القول فيه إن الحرب الحقيقة على سكان القطاع، قد بدأت.

على باب خيمتها المُرقّعة بأكياس الطحين الفارغة، تجلس سهير إبراهيم (37 عاماً) في مخيم السرايا وسط مدينة غزة، تراقب المارة من بعيد. وحين يلمحها أحدهم، تواري نفسها، فهي لا تزال في عدّتها بعد طلاق وقع عليها قبل شهرين ونصف، الأمر المؤسف أن الطلاق وقع بعد علاقة جميلة وطويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عشر عاما.

بلهجتها الغزّية البسيطة، تحكي أنها كانت تعيش "ملكة" في بيتٍ حلمت به مع زوجها في مخيم الشاطئ، لكن بعد الأسبوع الأول من الحرب نزحت إلى جنوب الوادي، وبقيت تتنقل بين مراكز الإيواء والمدارس، وفي كل مرة كانت هي أطفالها ينجون من الموت. ثم انتقلت إلى الخيام، في حياة لا تشبه حياتها قط، كما تصف.

بدأت المشاكل مع "سهير" وزوجها عند انتقالهم إلى الخيام، فكان ينفث غضبه فيها، ويجبرها على الوقوف في طوابير التكايا والمياه، بينما كان يتذمر طوال الوقت، وكأن "الحرب وقعت عليه وحده" وفقا لتعبيرها.

ما يثقل كاهلها ليس فقط ما مرت به، بل أن قصتها تحولت إلى حديث يومي يتناقله الجميع في المخيم، فجدران الخيمة الرقيقة لا تحفظ سرًا، ولا تردّ همسًا.

تقول بصوت خافت: " والله يختي، صارت قصتنا على كل لسان، صرت أخجل من حالي، العيشة في الخيمة، قبر فوق الأرض بكل ما تحمله الكلمة من معنى".

ترك زوجها لها الخيمة التي رفضت الكشف عن اسمه، حافظا على "العشرة" وفقا لتوصيفها، وانتقل إلى مخيم يقع جنوب القطاع ونصب خيمة لوحده، كل ما تفكر به الأم والمرأة المطلقة، هو مصير أطفالها الثلاثة. ( أكبرهم محمود تسعة أعوام وأصغرعم لمى أربعة أعوام).

حكايات مختلفة، ربما تُسمع للمرة الأولى، عن الحياة الاجتماعية لدى العائلات الغزّية في مخيمات النزوح التي حلّت محل الأحياء السكنية، فقد تآكلت الحدود بين "العام" و"الخاص"، وأصبحت الأسرة الغزّية تعيش "حياة عارية" مكشوفة أمام الآخرين، ما أدى إلى ضغوط نفسية واجتماعية هائلة.

وتشير المعطيات إلى أن هذا التكدّس القسري وانعدام الخصوصية يسهمان في ارتفاع معدلات العنف الأسري، ومعدلات الطلاق بقطاع غزة بين عامي 2023 و2025، مدفوعاً بالظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية، حيث سُجلت مؤشرات على انخفاض معدلات الزواج مقابل ارتفاع حالات الانفصال.

خلاص أم تخلص؟!

هنا حكاية مختلفة، تعود تفاصيلها إلى ذروة المجاعة الأولى في شمال قطاع غزة، صيف عام 2024.

ثلاث فتيات يتيمات، تولّى عمّهن رعايتهن بعد وفاة والدهن وزواج والدتهن.

تقول كبرى الشقيقات، نرمين حسن (19 عامًا)، إن عمّها كان قبل الحرب يعاملهن بلطف، ويبذل ما بوسعه لإعالتهن، كنّ يعشن في حي التفاح – منطقة الشعف، قبل أن يُقصف منزلهم مع بداية الحرب، فيضطررن للنزوح إلى حي الدرج وسط مدينة غزة.

من داخل خيمة زوجية مهترئة في ملعب اليرموك، تروي نرمين قصتها بصوت يختلط فيه الانكسار بالدهشة: "لم يعد عمي قادرًا على إطعامنا، فقرر تزويجي أنا وشقيقتي، بمهرٍ لم يكن يتجاوز كيس طحين آنذاك".

سحبت شهيقا وألحقته بزفير ثم تتابع:"لم يكن لدينا ما نرتديه، فاستعارت لنا زوجته ملابس مستعملة من الجيران،لم يكن هناك فرح، فقط انتقلتُ من خيمة عمي إلى خيمة زوجي".

وتضيف:"أختي الصغيرة تزوجت وهي في الخامسة عشرة، واليوم تحمل طفلًا رضيعًا. لو كان والدي حيًا، لما حدث كل هذا، أحيانًا أسأل نفسي: هل كان زواجنا خلاصًا لنا، أم تخلّصًا منا؟".

ولي الأمر كان له مكانته قبل الحرب، فالأب الذي كان يوفر الحماية والمأوى لعائلته، بات اليوم عاجزاً حتى عن توفير "سترة" خيمة، ما يزعزع مكانته الاجتماعية والرمزية داخل الأسرة، ويدفع بالأبناء والزوجات إلى البحث عن مصادر بديلة للحماية والبقاء.

بين نارين

أما حكاية الشاب يوسف مسعود "28 عاما"، لم تنتهي بعد، فما زال عالقا بين التعامل بالود والرحمة مع زوجته أسيل "25 عاما"، وتعامل مع البر والإحسان مع وأمه فاتن" 48 عاما"، إذ اندلعت حرب داخلية بين الزوجة والأم، والسبب على أشياء أقل من بسيطة كما يصفها يوسف.

بدأت الحكاية، بعد أن نزح يوسف مع زوجته التي تحمل رضيعة واسماها على اسم والدته، وعائلته المركبة من مخيم جباليا إلى غرب دير البلح، ونصب خيمتين هناك، ومع مرور الأيام والأحداث، اشتد خلاف بين الأم والزوجة، على الطعام مرة وعلى النظافة إلخ.

يقول يوسف الذي كان يعمل محاسبا في إحدى شركات البناء:" العيش في الخيمة، احيانا تفقدك الصبر في المعاملات مع الأخرين، دوما أنت في حالة توتر بالكاد تستطيع تحمل نفسك، لكن أمي وزوجتي فقدن صبرهن على هذه الظروف، وأصبحن علاقتهن سيئة جدا، خلصنا من حرب إسرائيل، اجت حرب النسوان".

الشاب المحاسب، يتمتع بذكاء اجتماعي، يحاول دوما تذليل العقابات بين أمه وزوجته، يفشل مرة وينجح مرتين وهكذا. يختم :" ما أخشاه هو أن افقد صبري،وأن أخسر الجميع، أمي وزوجتي يضعوني يوميا تحت ضغط وتوتر، لكن أنا متفهم الظروف النفسية نتيجة واقع العيش بالخيمة إلي بالكاد يتحملها الحيوان".

اكتئاب النساء وتوتر الرجال

الاختصاصية النفسية إيناس الخطيب تقول إن الحياة داخل مخيمات النزوح تفرض ضغوطاً نفسية واجتماعية قاسية على الرجال والنساء معاً، نتيجة الفقر، وفقدان الأمان، وانعدام الخصوصية داخل الخيام، موضحة أن النساء يواجهن أعباء مضاعفة في رعاية الأسرة وسط الخوف المستمر، ما يجعلهن أكثر عرضة للاكتئاب والقلق والاستنزاف النفسي، فيما يعاني الرجال من فقدان دورهم التقليدي كمعيلين، وما يرافقه من شعور بالعجز وفقدان القيمة.

وتضيف الخطيب:" هذا الواقع المشترك يخلق حالة من التوتر داخل الأسرة، قد تتجلى في العنف أو الانسحاب أو التفكك الأسري، مشددة على أن مواجهة هذه التداعيات تتطلب توفير دعم نفسي واجتماعي متكامل يستهدف الأسرة ككل، ويعزز قدرتها على التكيّف والصمود في ظل الظروف القاسية.

وتشير الخطيب إلى أن الحياة داخل مخيمات النزوح لا تفرض ضغوطاً على النساء وحدهن، بل تمتد آثارها القاسية لتطال الرجال أيضاً، في ظل واقع اقتصادي واجتماعي منهار، وانعدام شبه كامل للخصوصية داخل الخيام، ما يجعل الأسرة تعيش حالة مكشوفة ومستمرة من التوتر.

وتوضح أن النساء يتحمّلن أعباء مضاعفة، إذ يجدن أنفسهن مسؤولات عن رعاية الأطفال وتأمين الاحتياجات اليومية في ظل شح الموارد، إلى جانب الخوف المستمر من العنف وفقدان الأمان، الأمر الذي يرفع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم لديهن، ويؤدي إلى استنزاف نفسي وعاطفي حاد.

في المقابل، تلفت الخطيب إلى أن الرجال يواجهون صدمة من نوع آخر، تتمثل في فقدان دورهم التقليدي كمعيلين وحماة للأسرة، مع العجز عن توفير أبسط مقومات الحياة، ما ينعكس شعوراً بالانكسار وفقدان القيمة، وقد يتجلى في سلوكيات غاضبة أو انسحابية نتيجة الضغوط المتراكمة.

وتشير إلى أن التقاء هذه الضغوط لدى الطرفين داخل مساحة ضيقة ومكتظة، ومن دون أي خصوصية، يفاقم من حدة التوتر داخل الأسرة، ويزيد من احتمالات العنف الأسري أو التفكك، في ظل غياب مساحات التفريغ النفسي أو الدعم الكافي.

وتؤكد الخطيب أن هذه الحالة لا يمكن التعامل معها من زاوية فردية، بل تتطلب مقاربة شاملة تقوم على توفير دعم نفسي واجتماعي متكامل يستهدف الرجال والنساء معاً، ويساعدهم على التكيّف مع الأدوار الجديدة، والتخفيف من حدة الضغوط، بما يعزز صمود الأسرة في مواجهة واقع قاسٍ وغير مسبوق.