صابرين أبو عسكر

كاتبة وروائية

 

لم تكن الكتابة في ظل ظروف الحرب الصعبة وما رافقها من قصف ونزوح اجباري وموت وجوع، ترفاً ورفاهية، ولم تمنحني هذه الأيام وقتاً للتأمل الذي يرافقني في مرحلة الكتابة.

على العكس تماماً، كتبت لأن الحرب كانت تسلب منا كل شيء ونحن مكتوفي الأيدي، ومن هنا كانت الحكايات هي ما أخشى أن تسلبني اياه الحرب أيضاً.

لم تشغلني الحرب فقط في المحاولات الحثيثة للنجاة بجسدي وعائلتي، أصبحت أحاول خلق فرص نجاة لحكاياتي، كانت مهمة إنقاذ الذاكرة جزء لا يتجزأ من مهام اليوم التي قلبتها الحرب رأساً على عقب.

غادرنا البيت و الشارع و الحي، وتركنا خلفنا تفاصيل حياتنا البسيطة التي كنا نحاول أن نصنع بها معنى للحياة، تساقطت خلفنا الجثث والشظايا والحجارة، كما تساقطت من ذاكرتنا الكثير من اللحظات السعيدة، كانت الكتابة محاولة للإمساك بما يتساقط من الذاكرة قبل أن تبتلعه الحرب.

هذا ما حاولت أن أفعله في مجموعتي القصصية "معطف الموناليزا".

منذ الصفحات الأولى كانت الحكاية معلقة بين ما حدث فعلاً و ما حاول الخيال أن يعيد كتابته وسرده، في الوقت الذي أصبح وسيلة لحفظ ما لا يستطيع الواقع حفظه.

لهذا السبب كنت أحتفظ بدفتري الصغير الذي رافقني في مواقع النزوح المختلفة، أدون فيه ما أخشى نسيانه، كان مساحتي الخاصة لحفظ الذات من التبعثر، وطريقتي في قول " إن ما يحدث لنا لن يمر دون شهادة تنقلها".

في المشفى والمدرسة كانت الكتابة تبدو للوهلة الأولى فعل مؤجل أمام ثقل الجرح والموت والنزوح ويصبح القلم عاجزاً عن حمل كل ما تلتقطه العين من مشاهد دامية.

في اليوم الأول لنزوحنا في المشفى المكتظ بالنازحين والجرحي والشهداء كتبت قصتي الأولى، شهادتي الأولى على الانسانية المتساقطة.

من هنا تصبح الكتابة فعلاً من أفعال حفظ الهوية الفلسطينية و نقل الرواية الفلسطينية التي ستصبح تاريخاً وذاكرة وشاهداً على جرائم الاحتلال والإبادة الجماعية.

في زمن الكارثة يبرز دور الأدب والكاتب في أن يمنح الإنسان اسمه وصوته و ملامحه، حين تصبح الضحية في رواية الاحتلال مجرد رقم، تأتي القصة لتقول كان هنا فلسطيني له بيت وعائلة وأحلام، كان يوماً يحمل جرحه متثاقلاً في طوابير الماء و تكية الطعام، ينتظر دوره للحصول على حصة غذائية.

لا نكتب لنتنافس مع الموت، نحاول بقدر المستطاع أن نمنح القصة أن تقول الكلمة الأخيرة، وتبقى روايتنا أرشيفاً لماضٍ متثاقل واجهناه بكل ما أوتينا من صبر، وحاضر تشابهت أيامه، ومستقبل ننتظر ان يبتسم لنا يوماً.

دعوتي اليوم للكُتاب الذين حملوا أقلامهم بنادق.

اكتبوا ما حدث قبل أن تتدخل الذاكرة في إعادة ترتيب الأشياء، وترك الحكايات منسية.

أخبروا الجميع بأننا كُنا هنا

كان لنا عائلة وبيت

صديق و حبيب

مدرسة و مشفى

شجر و حجر

وأن غزة بدمارها وخرابها لن تتحول إلى صورة عابرة، و سطر منسي في الحكاية.