في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها قطاع غزة نتيجة انعكاسات الإبادة التي امتدت لعامين ونصف، تحولت الخيمة من مجرد مأوى مؤقت إلى فضاء اجتماعي ضاغط يعكس حجم المعاناة التي تمر بها آلاف العائلات النازحة. وبين أقمشة الخيام المهترئة، وضيق المساحة، وغياب الخصوصية، تتشكل تحديات جديدة لا تقتصر على فقدان المسكن، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي للأسرة، وإلى مستقبل الأبناء التعليمي.

لقد فرضت الحرب واقعًا مأساويًا على كثير من العائلات، حيث وجدت نفسها مضطرة للعيش في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة. وفي مثل هذه البيئات، تتراجع مظاهر الاستقرار الأسري، وتزداد الضغوط النفسية والاقتصادية، الأمر الذي يؤدي إلى نوع من التفكك الاجتماعي داخل الأسرة نفسها. فالخيمة، بطبيعتها المؤقتة والمحدودة، لا توفر المساحة الكافية للحياة الأسرية الطبيعية، ولا تمنح الأطفال البيئة الهادئة التي يحتاجونها للتركيز والتعلم.

إن فقدان الخصوصية، وتزاحم الأفراد في مساحة ضيقة، واستمرار القلق الناتج عن أصوات القصف أو الخوف من المستقبل، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الأبناء على التركيز في طلب العلم. كثير من الأطفال باتوا يجدون صعوبة في متابعة دروسهم أو الاحتفاظ بانتباههم لفترات طويلة، ليس بسبب ضعف قدراتهم، بل نتيجة البيئة المحيطة التي أصبحت طاردة للتعلم.

وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى تدخلات مجتمعية عاجلة تسهم في حماية حق الأطفال في التعليم. ومن هنا جاءت مبادرة مدى الشبابية التعليمية والتي تمثلت في إنشاء مدرسة تعليمية وجاهية من قبل شباب مخيم جباليا المدمر، بهدف توفير مساحة آمنة وهادئة للأطفال، بعيدًا عن ضجيج الخيام وضغوطها النفسية والاجتماعية.

" مدى"، لم تكن مجرد مكان لتلقي الدروس، بل مثلت بيئة بديلة تعيد للأطفال شيئًا من الشعور بالاستقرار والانتماء. فقد ساهمت في خلق أجواء تعليمية رغم قلة الإمكانيات والتحديات، فالمدرسة تحاول أن تساعد الطلاب على استعادة التركيز، وتنظيم الوقت، وإحياء روح التفاعل بين الطلبة والمعلمين. كما لعبت دورًا نفسيًا مهمًا من خلال منح الأطفال مساحة يشعرون فيها بالأمان والأمل، بعيدًا عن أجواء النزوح والاضطراب.

أخيرا، وفي الوقت الذي تستمر فيه معاناة العائلات داخل الخيام، تبقى مثل هذه المبادرات بارقة أمل تؤكد أن الإرادة الإنسانية قادرة على صناعة الحياة حتى في أكثر البيئات قسوة، ومن جانب آخر هي رسالة تنبيه للأباء والأمهات وأرباب الأسر للتمسك بجوهر الأشياء كتعليم الأبناء، والتعالي على الخلافات العائلية التي بلا شك ضحيتها الأجيال.

 الدكتور محمود النجار

باحث أكاديمي