أحمد المقيد - شمال غزة
ترك رحيل مربي الأجيال، محمد ظاهر" 55 عاما" من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، أثرا عميقا في نفوس الأجيال الصاعدة، إذ يصفه كل من عايشه بالشخصية الي يستمد منها الأمل والطمأنينة.
وقد ارتقى ظاهر المكنى بأبو الحسن، بصحبة عشرات المصليين جراء قصف إسرائيلي لمصلى في مخيم الشاطئ غرب غزة، كان ذلك في ظهيرة الثالث عشر من يوليو لعام 2024.
وقد أرفق لنا الزميل الكاتب أحمد المقيد، نص رثاء في ذكرى الثانية لرحيل المربي ظاهر.
النص كالتالي:
حين بدأت الحربُ تصبُّ سياط فجورها وجحيمها على الناس، وحين صار الخوفُ سيّدَ الوجوه، والاضطرابُ يسكن الملامح، كان الناس يهيمون على وجوههم باحثين عن نجاةٍ أو طمأنينة.
في تلك الأيام، كان أبو حسن مختلفًا.
لم يكن يحمل خبزًا ولا ماءً، ولم يكن يملك بيتًا واسعًا أو مالًا وفيرًا، لكنه كان يطوف في شوارع المخيم وأزقّته كأنّه بائعُ وردٍ جوّال.. غير أنّه لم يكن يبيع الورد، بل كان يبيع الأمل.
يقترب من الناس فيمنحهم من كلماته ما يُشبه الطمأنينة، ومن يقينه ما يُطفئ شيئًا من نار القلق في قلوبهم قبل وجوههم.
وكان ثمنُ ذلك بسيطًا جدًا:
دعوةٌ صادقة..
لا لشخصه وحده، بل دعوة عامة أن يرفع الله البلاء، وأن يُعامل عباده بلطفه، وأن يجعل بعد العسر يُسرًا.
ثم اشتدّت المأساة..
وكان لأبي حسن النصيبُ الأثقل منها؛ استُهدف بيته، وفقد حفيده، وأصبح يطوف الطرقات بلا مأوى.
كنّا نذهب إليه لنعزّيه، فنجد أنفسنا نحن الذين نتلقّى العزاء والثبات.
كان أصلبَ مما عهدناه، وأكثر طمأنينةً مما توقعنا.
نسأله:
كيف لك هذا يا أبا حسن؟
فيجيب بصوتٍ موقن:
"كأنّ آيات الله تتنزّل علينا الآن."
ثم يتلو علينا آيات البلاء، ويتبعها مباشرةً بآيات الرجاء، وكأنّه يريد أن يقول إن الله ما ذكر المحنة إلا وقرنها بالرحمة والهداية:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
فلما أصابه الابتلاء، وجدناه أشدَّ حجةً وقوة، وأشدَّ حرصًا على القرب من الله، متمسكًا بالأمل..
وقد يتساءل البعض:
أيُّ أملٍ بقي؟
كان الناس يبحثون عن هدنة، أو وقفٍ لإطلاق النار، أمّا أبو حسن فكان ينظر أبعد من ذلك كلّه.
كانت عيناه معلّقتين بالقدس، وعكّا، ويافا، وبرير، وعسقلان..
يرنو إلى اليوم الذي يزول فيه هذا الكيان من جذوره، وكأنّ اليقين في قلبه أكبر من كل مشاهد الخراب.
كنّا نسأله:
متى تنتهي الحرب يا أبا حسن؟
فيجيب بثقة المؤمن الذي يعرف ربَّه:
"الله يسوق الخير لعباده سوقًا.. فإن أذن له بشهرٍ كان شهرًا، وإن أذن له بعامٍ أو أكثر، كان ذلك خيرًا كذلك."
ثم اشتدّت وطأة الظلم على هذا الشعب الأعزل..
ولم يجد أبو حسن مكانًا يأوي إليه سوى مُصلّى صغير في الحي، يبيت فيه كما يبيت المتعبون على أعتاب رحمة الله.
لكنّ يد البطش لم تترك حتى المصليات الصغيرة؛ فكان لها نصيبٌ من الاستهداف أيضًا.
وتُكتب النجاة لأبي حسن مرةً أخرى، بينما يرتقي جزءٌ آخر من أقربائه شهداء.
كان ينتشلهم بيديه، يُكفّنهم، ويصلّي عليهم، ثم يمضي صابرًا من بيتٍ إلى بيت، ومن ركامٍ إلى ركام، حتى إنّ من يلقاه يظنّ أنّه سيجد رجلًا أثقلته المصائب وأحنته الفواجع..
لكنّه كان على العكس تمامًا.
كان كمن يسير فوق الأشواك، يتلقّى ألمها بصبرٍ واحتساب، بينما عيناه معلّقتان في نهاية الطريق؛ هناك حيث الفرج، وحيث وعد الله، وحيث النعيم الذي لا تعب بعده.
ثم اضطرّ للنزوح إلى مخيم الشاطئ، بعد اجتياح منطقته في مخيم جباليا.
واحدٌ وعشرون يومًا من الهدم الممنهج، والجرافات تلتهم البيوت، والنار تأكل ذاكرة المكان، فيما بقيت أسرته في الشاطئ، وكان يعود بين الحين والآخر يتابع ما تبقّى من حياته هناك.
لكنّها اللحظة التي اختارها الله له..
اللحظة التي يتجرّد فيها الجسد من روحه، وترتقي النفس إلى بارئها.
جاءه الصاروخ في مُصلّاه، في المسجد الأبيض بمخيم الشاطئ، وهو قائمٌ يصلّي بين الناس.
ففاضت روحُه إلى الله مع ثلّةٍ من المصلين، في مجزرةٍ جديدة تُضاف إلى سجلّ الاحتلال المجرم.
وحُمِل الجسد الطاهر..
حُمِل إلى مخيمه الذي أحبّه، وصلّى الناس عليه هناك، ثم وُوري الثرى، ليبلغ إحدى الحسنيين التي طالما سأل الله إيّاها وسعى إليها بقلبٍ راضٍ ويقينٍ ثابت.
ورحل أبو حسن..
لكنّه ترك خلفه شيئًا لا يُدفن.
ترك أثرًا من نور، وغرسًا من أمل.
فبينما كان الحزن يطوف في قلوب من عرفوه، كان حضوره لا يزال حيًّا بينهم؛ في كلماته، وفي دعواته، وفي تلك الطمأنينة التي كان يبثّها في الناس، كأنّه خُلِق ليُذكّرهم أن بعد العسر يُسرًا
بقي الأمل الذي زرعه فيهم حيًّا..
يقودهم نحو الوعد المرتقب، ويشدّ على قلوبهم كلما أوهنتها الفواجع، وهم يرددون الآيات التي طالما ردّدها أبو حسن:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
"أرضُنا مقدّسة.. ولا يطول فيها ظلم."
فكان أبو حسن نموذجًا حيًّا لكل من أصابه البلاء، وألمّت به اللأواء؛ يعلّم الناس كيف يعيش المؤمن وسط العاصفة، وكيف يُجابه الألم دون أن ينكسر، وكيف يحمل قلبًا مطمئنًا وإن ضاقت به الأرض بما رحبت.
لم يكن بطلًا خارقًا، ولا قائدًا مشهورًا، بل رجلًا بسيطًا آمن بالله حقّ الإيمان، فعاش كبيرًا في زمنٍ تتكسّر فيه النفوس سريعًا.
علّمهم أنّ الأمل ليس ترفًا يُقال في أوقات الرخاء، بل عبادةٌ وثقةٌ بالله في أحلك اللحظات.
وأنّ اليقين لا يعني ألّا نتألم، بل أن نبقى واقفين رغم الألم.
رحل أبو حسن، لكنّ الحكايات التي تُروى عن الصابرين لا تموت.
يبقى أثرهم في الناس، كأنّ أرواحهم تواصل السير بينهم، تربّت على القلوب المنهكة، وتهمس في وجوه المتعبين:
"لا تيأسوا.. فإنّ الله لا يخذل الصابرين."
وسيظلّ أبو حسن حاضرًا في ذاكرة المخيم؛ كلّما ضاقت الأحوال، وتكاثفت الغيوم، وتساءل الناس:
من أين يأتي الفرج؟
سيذكرون رجلًا كان يسير بين الركام، مكلومًا مطاردًا فاقدًا لأحبّته ومأواه، ومع ذلك كان يحمل في قلبه وطنًا كاملًا من الأمل.
وسيبقى صوته يتردّد فيهم، وكأنّه لم يغب:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾