عند الرشفة الأخيرة من كوب الشاي، هاجمتها كرة نار ضخمة جدا، لتدخل في فضاء لا حد له، لا يشرح بالكلام، يذاق بخوارزمية الروح، لن يتفهم هذا الشعور إلا من خاض التجربة، من كل جانب يحيطك دخان أبيض بارد ونقي. تطير بهذا الحيز بسرعة عجيبة، مجازيمكن وصفها بأنها أسرع من السرعة، تشعر أنك أخف من ذرة الهواء.

كان زوجها يفتح لها ذراعيه وأطفالها يلوحن لها بالاقتراب، وعلى بعد خطوة أو خطوتين منهم، فجأة سمعت صوتا دافئا جهوريا ملأ أرجاء المكان: "حتجتمعي فيهم، لكن وقتك مش الآن".

على وقع هذه العبارة، وبذات السرعة؛ شيء سحبها إلى أسطوانة حلزونية وما هي إلا لحظات حتى شعرت بجسدها بأنه أثقل من المحيط،لا تستطيع أن تحرك أطرافها، حتى أن مقلتا عينيها شعرت أن وزن كل مقلة رطلا، في الربع الساعة الأولى فقط كانت تسمع صوت طنين جهاز طبي، وأحاديث رجال مختلفة، وصراخ وبكاء في كل مكان.

حين استطاعت فتح عينيها بعد نصف ساعة، أدركت أنها عادت إلى الحياة مرة أخرى. ولكن ما ينتظرها حياة مختلفة ستحاول سماح أن تشاركنا إياها.

بذرة الحب

نهاية عامها الدراسي لتخصص التعليم الأساسي في جامعة القدس المفتوحة، وتحديدا في مايو عام 2005، تعرفت الشابة الفلسطينية سماح أبو سلطح ابنة مخيم بلاطة قضاء مدينة نابلس الواقعة شمال الضفة المحتلة، على الشاب الفلسطيني محمد عكاشة من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، كان وقتها يعمل موظفا في جهاز الأمن الوطني.

 وقد جاء عكاشة بصحبة المئات من شبان قطاع غزة إلى مدن الضفة المحتلة في الأشهر الأولى حين فتحت (إسرائيل) ما يعرف بـ “الممر الآمن“في نهاية التسعينيات من القرن المنصرم، ومع دخول انتفاضة الأقصى في خريف 2000، عزل قطاع غزة عن مدن الضفة المحتلة، وأصبح السفر إلى مدن الضفة أو القدس يلزم إجراءات معقدة ويسمح فقط لكبار السن.

يكبر محمد سماح بعامين، هو من مواليد صبيحة اليوم العشرين من مارس لعام 1982، وهي من مواليد منتصف إبريل عام 1984.

فور انتهاء العام الأول من علاقة الصداقة التي بناها الشابين، تقدم محمد لطلب يد سماح من عائلتها وتكون زوجة له، لم تكن الأمور من طرف والديها بما يريده محمد وسماح، إذ رفضت العائلة بالمطلق فكرة أن تغترب ابنتهم إلى قطاع غزة، خاصة أن القطاع تم عزله وفرض عليه حصارا مشددا، خاصة بعد العملية العسكرية التي نفذتها المقاومة في جنوب القطاع وأسفرت عن اعتقال جندي إسرائيلي المعروف كان وقتها بـ “جلعاد شاليط“.

ولأن المصائب لا تأتي فرادة، بعد رفض العائلة لطلب محمد، تعرض بعدها لشهرين لإصابة حرجة حين سكنت قدمه اليسرى رصاصة، بعد ما فتحت القوات الإسرائيلية النيران على مجموعة أو دورية من رجال الأمن الوطني.

مرت الأيام والأشهر وتعافى محمد تدريجيا، طوال تلك المرحلة، انقطعت أخباره عن عائلته، وكأن البحر قد بلعه، وفي الاتصال الأول أجبرته العائلة على العودة لتطمئن عليه. استجاب محمد وعاد. بعد ما هدأ روع العائلة، حاول الشاب مرارا وتكرارا السفر مرة أخرى لنابلس لكن كان يقابل بالمنع الإسرائيلي.

وفاء وإصرار

لم يكن أحدا يعلم بالحالة النفسية التي كان يمر بها محمد، فبجانب أنه شخص كتوم وصامت، إلا أن محاولاته الدائمة والاتصالات مع شخصيات اعتبارية من غزة والضفة المحتلة كانت تفضح ما يمر به. في ذات الوقت كانت سماح بذات الحالة.

استمر هذا الحال لمدة ست سنوات، دون كلل ولا ملل من مساعي محمد ومن الانتظار الصامت لسماح؛ سمعت مرة من أحد كبار السن عبارة "الحب ما بنام"، وربما قد تكون هذه الكلمتين اختصار لحكاية محمد وسماح في ذلك الوقت.

في عام 2012، ومع قدوم الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، والذي على أثره شهد معبر رفح الذي يعد المنفذ الوحيد لقطاع غزة للعالم انفراجة كبيرة لحركة المسافرين الفلسطينيين والبضائع علما أن طوال سنوات الحصار التي سبقت قدوم مرسي كان معبر رفح شبه مغلق.

أصرت سماح على فكرة السفر إلى قطاع غزة من خلال الأردن من ثم مصر والدخول إلى غزة، استجاب والديها لقرارها، ونزلا معها.

 بنبرة هادئة تمرر سماح عبارة مستذكرة تلك اللحظات قائلة: "أخذت القرار لأنه ما كان عندي حساب لأي شي، سوى أنه نكون مع بعض(..) عائلتي كان عندها تخوفات من أنه البيئة مختلفة جداً عن حياتنا واضافة للغربة وفعلا، غزة غربتها أصعب من أي غربه تانية، لكن مثل ما حكيت لك أنا ما كنت أفكر إلا أنه أكون معه وخلص".

في خريف غزة عام 2012، كان ربيع سماح ومحمد، واجتمعا أخيرا كعروسين تحت سقف واحد بعد سنوات عسيرة، توجت نتيجة إصرار ووفاء.

حكاية نجاح سماح ومحمد في لم شملهما، تكاد تكون من الحالات المعدودة التي لا تتجاوز أصابع اليد، إذ مئات القصص بين علاقات مخطوبين من غزة والضفة أو علاقة حب لم تنتهي بالزواج، نتيجة المنع الإسرائيلي من سفر أحد الأطراف، بعض تلك العلاقات قتلت في مهدها، وأخرى امتدت لسنوات طويلة ومحاولات شتى لكن باءت بالفشل، سمعت مرة أن سيدة من غزة بقيت مخطوبة لأكثر من ثمان سنوات لأحد أبناء عمومتها بمدينة جنين، لكن للأسف الجيش منعها من السفر وكتب لهذه الحكاية أن تنتهي بزواج الرجل من فتاة أخرى. ولم يعرف مصير الفتاة المعلقة وقت صياغة هذه القصة.

حي السنايدة.. المنزل الأول

قبل الغروب بساعة أذكر كان أول دخول لسماح مع محمد، لمخيم جباليا وتحديدا المربع السكني الذي تقطن فيه عائلته والذي يدعى حي السنايدة، نسبة لأن أغلب سكان الحي من قرية دير سنيد المحتلة، وقتها جميع نساء الحي كبار وصغار يقفن على بوابة منازلهن، ليرحبن بسماح.

فيما الأطفال يرتدون لباس جديدة، وعجائز الحي زينن أنفسهن بالثوب الفلسطيني جالسات على بوابة منزل عائلة محمد بصحبة والدته التي تدعى زينب.

ببساطة لم تكن الفرحة لمحمد فقط او لعائلة عكاشة، إنما لجميع سكان الحي الذي عشت فيه مرحلة طفولتي التي تكاد مساحته تكون قريبة من مساحة ملعب كرة قدم، والذي فيه قرابة 40 عائلة مختلفة، لكن أغلبها يعود لعائلة أبو القمصان وحجازي وأبو نصر.

يقع حي السنايدة أو بلوك "6" في عمق مخيم جباليا، ويعد من الأحياء الأكثر حيوية، فهو يربط عمق المخيم مع السوق المركزي الوحيد للمخيم.

 للإشارة، الآن حوالي 119.540 لاجئاً مسجلاً يعيشون في هذا الفضاء الذي يغطّي مساحة من الأرض تبلغ فقط 1.4 كيلومتر مربع، بحسب الموقع الرسمي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا".

بعد أيام، أقيم حفل زفاف لمحمد وسماح، وحضر الكثير من نساء المخيم، بعضهن ليس لهن صلة بعائلة عكاشة ولكن بحكم بساطة نساء المخيم حضرن الحفل ليشاهدن العروسين اللذين تجاوزا صخرة المنع الإسرائيلي.

تقريبا منزل عائلة محمد في ذلك الحي، من المنازل القليلة المرتفعة ذات ثلاثةأدوار، فأغلب منازل حي السنايدة مغطاة بالكرميد الأبيض وبعضها من الصفيح، عمر تلك المنازل تجاوز الستين عاما.يشبه تراص أو موقع المنازل في المخيم كعلبة الكبريت، جميع المنازل تشبه بعضها، الاختلاف فقط في لون بوابة المنزل والنوافذ. الجدران مشتركة، وبعض المنازل يفصلها عن بعضها قرابة نصف متر أو أقل.

شيدت تلك المنازل بعد ما أقتنع أغلب الفلسطينيين الذين هجروا من أراضيهم المحتلة المحاذية لقطاع غزة أنه لا عودة. فكل قرية أو بلدة جمعت نفسها وأخذت مكانا من مخيم جباليا، لذلك بعض الأحياء يطلق عليها مسميات نسبة لسكان البلدة التي هجروا منها، فمثلا أشهر شوارع مخيم جباليا هو شارع الهوجا نسبة لأن أغلب سكانه من بلدة هوج المحتلة.

رغم أن منزل عكاشة ذو أدوار ثلاثة، إلا أن مساحته صغيرة، وبحكم أن عدد العائلة كبيرة، فهو الابن الثاني من بين 14 ابن، أتخذ بشكل مؤقت غرفة صغيرة في الدور الأخير، مكث العروسين في حي السنايدة قرابة عام.

لضيق المكان وكبر العائلة تنقل محمد بصحبة عروسته لعدة شقق مستأجرة في أحياء مختلفة من غزة، كحي النصر والشيخ رضوان البعيدة نوعا ما عن مخيم جباليا قرابة سير على الأقدام لأربعين دقيقة، لكن لم تنسجم سماح مع هذه الأجواء فاختارت العودة للمخيم أو كما نسميه نحن أبناؤه المعسكر.

تعلق هنا سماح:"ما قدرت اتحمل هيك عيشة، ورجعت للمعسكر(..)، علاقتي بأهل محمد كثير طيبة، وهما أهلي، لما ابعدت عنهم وعن أهل المعسكر شعرت فعلا أني انقطعت عن أهلي". بحكم علاقات محمد عثر على شقة مستأجرة على أطراف مخيم جباليا وقريبة من منزل عائلته.

حياة كاملة مكتملة

بدأت شخصية العائلة تظهر ملامحها بين سماح ومحمد، تصف زوجها أنه حنون بطبعه، ولدي حس ذكاء اجتماعي عالي، وشخصية مبتسمة، وعلى مساحة قريبة من الجميع من عائلته.يتمتع محمد بروح مرحة وشخصية حيوية لكن بذات الوقت كان عنيدا في بعض المواقف، وحين يغضب يصمت.

تكمل سماح كعادتها بالعبارات المختصرة:" ما في انسان كامل بالدنيا والكمال لـ الله عز وجل، لكن بالنسبة لي محمد انسان قريب من الكمال".

بعد ثلاث سنوات، تفتحت أول زهرة في بستان سماح ومحمد، حين انجبت الأم رضيعا ذكرا وأطلق عليه اسم عميد، كان ذلك في اليوم الثاني لشهر مارس عام 2015.

الذي اختار اسم عميد، هو محمد، ووقع اختياره على هذا الاسم، لأن زوجها كان يحب ابن صديقه في نابلس يدعى بذات الاسم.

في العام التالي وتحديدا في الرابع عشر من أغسطس لعام 2016، أنجبت سماح مولودا ذكرا، احتار الزوجين في تسميته، كان الاسم المرشح هو كنان، لكن محمد رفض الاسم متعذرا أنه بحاجة لاسم نادر، فاختارت الأم سماح اسم المولود الثاني "ركان".

بعد ثلاث سنوات من قدوم ركان، ختمت العائلة بستانها في آخر وردة، حين أنجبت الأم في الحادي عشر من مارس عام 2019، مولودة وأطلقت عليها مباشرة اسم "ماسة".

تعلق هنا سماح عن هذه المناسبة:" ماسة، جاءت، كمسك ختام لحياتي مع محمد، في سياق ما، هي جوهرة حياتنا".

مع قدوم ماسة، تمكن الأب محمد من شراء شقة جميلة في الطرف الشرقي من مخيم جباليا وتحديدا في حي تل الزعتر.

في تركيبة الشخصية للأبناء الثلاثة، وبفهم غريزة الأمومة، تصف سماح أن الطفل عميد عبارة عن خليط بينها وبين محمد، إذ كان حيويا ونشيطا وسريع البديهة واجتماعيا وعفوي وبسيط، وأخطاؤه كثيرة.

أخذ نشاطه من والده، يحب لعبة كرة القدم كثيرا واللعب على الدراجة الهوائية، لكن رغم حالة اللهو التي كانت تعتليه، إلا أنه كان يشعر بالمسؤولية على أخوته فهذه النقطة عززها فيه والده.

من الصفات الطافحة التي اكتسبها عميد من والده أنه كان حنونا، تفسر الأم هذه الصفة مستذكرة:" فجأة، يدخل عليا عميد حامل وردة وجايبها بمناسبة عيد الأم، وكان يقتطع من مصروفه اليومي ويجمع المبلغ ليحضر لي هدية في تلك المناسبة".

أما عن ركان، فهو نسخة كربونية عن والده شكلا ومضمونا، هكذا تصفه الأم، لكن كان قليل الاختلاط بمحيطه. شخصية هادئة عنيدة، يحاور ويجادل بالمنطق، يحب الألعاب الإلكترونية، ركان متفوق في دراسته، كان الأول على جميع طلاب المدرسة. تكمل الأم عن صفات ابنها:" ركان كان يحب الأكل".

ركان وعميد مشجعين متيمين بالفريق الاسباني ريال مدريد، فيما والدهم محمد كان يشجع الغريم نادي برشلونة.

تكمل سماح الام: "من أجمل اللحظات أو الأحداث لما تكون في مباراة تجمع الفريقين، كان عميد وركان ضد أبوهم في التشجيع، وكنت أسمع حواراتهم المتعصبة، كنت أشعر أنهم أصدقاء وبنفس مستوى العمر".

تسترسل الأم بالحديث عن أبناءها الثلاثة وتنتقل سريعا إلى ماسة الصغيرة:" هذه البنت بجيتها غيرت حياتنا، ماسة حبيبة أبوها، الكل يزعل عند محمد إلا ماسة ما تزعل".

"سماح الصغيرة" هذا لقبها، ماسة متعلقة في والدها تعلق عجيب. طفلة ضحوكة حيوية وحنونة.تختم سماح:" ماسة حلوة.. ماسة بمعنى الكلمة".

مغرمة عائلة محمد وسماح بأكلة المقلوبة، وهي أشهر مأكولات المطبخ الفلسطيني، وتفصل أكثر سماح في علاقتهم بمائدة الطعام، أن زوجها وركان وماسة يفضلون دوما الطعام الذي فيه أرز، أما الأم وعميد يفضلون المأكولات البحرية.

لم تخطط الأم وحتى الأب لمستقبل الأبناء في الدراسة، فهذه حرية الأبناء هكذا اتفق الزوجين، كل ما عليهما فعله هو أن يوفرا السبل كافة لتطوير امكانياتهم وتوفير سبل التميز الدراسي.

لم يبق أحد

هناك تكتيك يتبعه سكان أطراف مخيم جباليا خلال التصعيدات المتكررة على قطاع غزة والتي وصلت لـ 19 تصعيدا من بينهم ثلاث حروب سبقت أحداث السابع من أكتوبر عام 2023، هو النزوح داخليا.

ومعنى هذا، أن السكان في الاحياء المطرفة، للمخيم يسارعون وقت بداية التصعيدات أو الهجمات، للجوء إلى عمق المخيم أو إلى منازل أباءهم. إذ يعتبرون هذه الأماكن أكثر أمنا. وخاصة من ناحية التنقل بين الأزقة والوصول بسهولة لسوق المخيم لتأمين مستلزمات الحرب.

هذا التكتيك دوما ما كان يتبعه محمد عكاشة وباقي أبناء المخيم، وأدركته سماح من الحرب الأولى لها التي كانت في نوفمبر عام 2012، أي في الشهرين الأولى لقدومها.

في اليوم الأول من السابع من أكتوبر، حمل محمد نفسه وماسة واخذ زوجته وطفليه وأوراق الثبوتية والأوراق المهمة ووضعوها في حقيبة صغيرة، واحتمى في منزل والده حيث "حي السنايدة".

كما قلنا سلفا، المنزل مكون من ثلاث طوابق، ثلاثة من أخوة محمد متزوجين في ذات المنزل، فيما محمد وأخوة ثلاثة أخرين يقطنون في منازل اخرى.

ووزعت العائلة نفسها على المنزل كالتالي، في الطابق الأرضي احتمت الأم زينب "74 عاما" بصحبة عائلة ابنها الكبير ويدعى رائد "49 عاما" كان يعمل ضابطا، وزوجته تحرير "43 عاما"، وابناءه سجى "23 عاما" وابنه نعيم "21 عاما" وابنه أحمد "20 عاما"، وابنه معاذ "18 عاما".

في الطابق الأول كان يقطن فيه بالأساس شقيقه ثائر "35 عاما"، وزوجته سماح الكفارنة" 31 عاما"، ولم ينجبا بعد. احتمى فيه محمد وسماح وأطفالهم الثلاثة.

أما الطابق الثاني، كان يقطن فيه شقيقه الأخر ويدعى نائل "34 عاما"، وزوجته اسلام الشعرواي" 32 عاما"، وطفليه على سبعة أعوام، ومحمد ستة أعوام، واحتمى عنده شقيقهم الرابع ياسر" 37 عاما"، وزوجته أنوار بكر "33 عاما"، وأطفاله الأربعة الصغار (بهاء – نور – لما – ألما).

وعن الطابق الأخير كان عبارة عن غرفة واحدة، يمكث فيها شقيقهم بلال"39 عاما"، وزوجته روند "32 عاما" وأطفاله الأربعة (موج– كنان- جوان- ميرال). أكبرهم 12 عاما وأصغرهم ميرال أربع سنوات.

تقريبا وصل عدد من في المنزل، قرابة 31 شخصا، بينهم أكثرمن 15 طفلا، لم يتجاوز أعمارهم عن عشرة أعوام.

ولأن الشيء بالشيء يذكر يتشابه منزل عكاشة من ناحية عدد المحتمين أو السكان في كل منزل في حي السنايدة أو مربع بلوك "6 "، أي عدد المنازل الموجودة في الحي التي تتجاوز 40 منزلا، أقل منزل فيها قرابة 30 شخصا. ومعظم تلك العوائل هي عائلة متشجرة ومركبة.

عصر يوم 31_ 10_ 2023، وتحديدا في الساعة 2:40 دقيقة، ارتكبت "إسرائيل" أكبر مذبحة منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، حين ألقت قرابة ستة قنابل على حي السنايدة، أو بلوك "6" في عمق مخيم جباليا في نصف دقيقة.

أسلوب القصف الإسرائيلي للمربع السكني الذي أغلب منازله مغطية بالكرميد وبجدران عمرها 60 عاما، جاء ضمن تكتيك عسكري إسرائيلي، يعرف بالحزام الناري، وهذا استخدمته إسرائيل لأول مرة في عدوان مايو عام 2021، ومعنى الحزام الناري، هو ضرب مساحة صغيرة بعشرات الصواريخ في أقل من نصف ثوان لا تتدعى الدقيقة.

حتى صياغة هذه القصة لم يعرف عدد القنابل التي تم باستخدامها قصف المربع الذي يحتوي على أكثر من ألف شخص و40 عائلة، من خلال تقصي ميداني تبين أن العدد من بين ستة إلى ثمان قنابل، تزن كل قنبلة 2 طن.

إحدى تلك القنابل الثقيلة والمتطورة بأحدث التقنيات والمواد المشعة سقطت بشكل مباشر على منزل عائلة عكاشة، وحولت تلك الأدوار الثلاثة إلى حفرة كبيرة، واختلطت أشلاء النساء والاطفال والرجال عظامهم ولحومهم بالركام والحجارة.

وحتى كتابة الفقرة هذه، لم يعرف عدد الضحايا الأبرياء الذين ارتقوا في تلك المذبحة، فخلال إجراء تحري مكثف امتد لعام، ومن خلال أحاديث مختلفة مع طواقم الاسعاف وحتى مصادر من صحة وزارة شمال غزة لم يتوصلوا حتى الآن لعدد دقيق للضحايا، اجتمعت الأقوال على أن العدد وصل لـ 600 شهيدا وإصابة قرابة 400 شخصا.

علما أن بعض العائلات في ذلك المربع قد مسحوا من السجل المدني ولم يبق لهم أثر، لا جثة ولا منزل ولا حتى شخص على قيد الحياة يخبر عنهم أو يحافظ على سلالتهم، كل ما عثروا عليه لتلك العوائل التي مسحت كان ليس إلا القليل من بقايا أجسادهم.من بين تلك العوائل، عائلة أبو سلطان، وعائلة محمد أبو نصر، وعائلة البهلساوي، وعائلة فلفل.

بحسب وزارة الصحة ذكرت أن حوالي 1,410 عائلة قد مُسِحت بالكامل من السجل المدني (أي بلا أي ناجٍ) ولكن هذه النتيجة صدرت خلال الإبادة ولم تخرج حتى الآن الإحصائية النهائية.

ويصنف مخيم جباليا على أنه أكثر الأماكن التي تعرضت للمجازر إذ لم تحصى عدد المجازر التي وقعت هناك، لكن كل ما هو معروف أن "إسرائيل" حولت ذلك المخيم إلى أرض قافرة. عدمت كل أنواع الحياة هناك.

عشت في ذلك الحي، قرابة ستة أعوام من مرحلة طفولتي، أحفظ فيه وجوه جميع أبناء الحي كباره وصغاره، وأحفظ لون بوابة كل منزل، يتشابه أبناء ذلك الحي في أطباعهم العامة وحتى لهجتهم، لكن رغم أنك تشعر أنهم نسخ كربونية عن بعضهم، إلا أن كل عائلة لها طبعها الخاص حتى أن لكل عائلة رائحة مميزة، بعض تلك العوائل رائحتها قريبة من رائحة القرنفل، ومثلا عائلة أبو سلطان، كانت رائحتها معطر الليمون الأرضي، وعائلة يغلب عليها رائحة القطط. وعائلة أبو محمد أبو نصر يسيطر عليها رائحة ورق أشجار منبعثمن شجرة توت كبيرة عمرها 60 عامافي باحة منزلهم. وهذا ما تأكده سماح التي اختلطت بجمع سكان الحي الذي كان عبارة عن عائلة كبيرة موزعة على عدة منازل.

 حي سنايدة كان عبارة عن مجتمع داخل مجتمع، فيه طبيب، ومعلم، ومهندسة، ومغني راب، وحارس أمن، وضابط، ومريض، ومربي قطط، وعاطل عن العمل، وعشرات من الأحلام على شكل أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، لم ولن يكونوا أرقاما، بل كانوا عشاق للحياة وأحلامهم تعانق السماء وتطوف الأرجاء. نعم كانوا مجتمع متاكمل. جميعهم رحلوا بأجزاء من الثانية، أو بضغطة زر.

عودة إلى الحياة

لحظة تلك الهجمة كان محمد أبو القمصان "25 عاما" رجل الإسعاف وهو ابن حي السنايدة ينقل ضحايا من مجزرة وقعت في محيط مستشفى الإندونيسي، أي يبعد عن مكان المذبحة قرابة عشر دقائق سيرا على الأقدام.

ومع اللحظات الأولى من تلك المذبحة، جاءت الإشارة عبر شبكة إرسال غرفة الدفاع المدني أن الهجمة الشديدة هي لـ بلوك "6". حينها بدل من أن يصعد محمد لمركبة الاسعاف، ومن شدة الصدمة وخوفا على جيرانه وأهله ركض مسرعا.

حين وصل وصف المشهد كالتالي:" سحابة سوداء كبيرة، صراخ في كل مكان، تدوس بأقدامك على نصف جثة، جثث أطفال مهشمة الرؤوس، تشعر كأن ديناصور دخل المكان وحطم المكان بأقدامه، أو أن نيزكا عملاقا سقط من السماء وارتطم في الحي، كل شيء أصبح بحفرة كبيرة سوداء ورائحة البارود والدماء في كل مكان".

من هول المشهد سقط محمد على وجهه، وأصابه إرهاق شديد، بعد دقائق وبعد ان انتهى من موجة صراخه وبكاءه، استجمع قواه، وبدأ يبحث بصحبة زملائه عن الأحياء.

حين اقترب من مكان منزل عائلة عكاشة، وجد يد بارزة من بين الركام، بعد ربع ساعة وبمساعدة أهالي المخيم، تمكن من استخراجه، كان محمد زوج سماح.

 كان شبه محطم وينزف بشدة في قدميه لكنه لم يفقد وعيه، أشار محمد عكاشة لرجل الدفاع المدني بأصبعه.

نقل محمد إلى المشفى الإندونيسي ولكن فور وصوله، كان قد فارق الحياة، بسبب النزيف الحاد، فهو مصاب أيضا بمرض السكري وهذا ما عجل في رحيله.

فهم رجل الدفاع المدني إشارة عكاشة، وبدأ يزيل الحجارة والركام، بعد نصف ساعة من البحث، عثر على سماح غارقة في دمها مكسرة الأطراف العلوية والسفلية. انتشلها معتقدا أنها شهيدة.

وضعت سماح في إحدى المركبات، وصلوا إلى المستشفى الإندونيسي، ثم طرحت أرضا في إحدى زوايا غرف الطوارئ، لحملها لاحقا لثلاجة الموتى.

كان الدكتور محمد ظاهر يتفقد المصابين والجثث الملقية على أرضية الطوارئ، وخلال أخذه نظرة أخيرة على الأجساد والجثث الملقية في كل مكان في المشفى، لاحظ أن سماح تحرك قدمها. حينها تعامل معها ونقلت فورا إلى العناية المكثفة لمحاولة إنعاشها.

يقول الدكتور ظاهر: " في كل متر كانت جثة، وبعض الأمتار حملت ثلاث جثث متكومة، لقد فقدنا عشرات الجرحى، لعدم القدرة الاستيعابية للمشفى، بالإضافة لعدد الجرحى الذي تجاوز 400 شخصا، وأنا ابحث عن الأحياء، تعثرت في جثة سماح فجأة تحركت قدمها".

في اللحظة التي تعثر بها الطبيب، وجرى نقلها إلى غرفة العناية، عادت روح سماح من الحياة البرزخية، تكمل عن ذلك المشهد، وهي تمسح دمعتها الجارفة بهدوء:" ما بعرف مين عمل النا شاي، كنت أنا ومحمد، وكمان طفل جالسين بالغرفة، وأنا بشرب في آخر ما تبقى من كوب الشاي، شفت كرة نار كبيرة جدا جدا، وفجأة اشي سحبني في الهواء وخبطني في الأرض، بعدها شعرت حالي بطير في المكان الي حكتلك عنه".

سماح هي الناجية الوحيدة من عائلة عكاشة، التي كان عددها 31 شخصا، خضعت السيدة لعلميات جراحية في كلتا القدمين، وحين حوصر مستشفى الإندونيسي، لأسابيع، تمكن الجهاز الطبي من نقلها إلى المستشفى الأوروبي جنوب القطاع، ثم جرى التنسيق لها وسافرت لتستكمل علاجها في مصر، في تاريخ 2_12_2023.

ومن خلال محاولات عدة، تمكنت من السفر إلى الأردن ومن ثم العودة إلى منزلها في مخيم بلاطة.

تقول سماح:" الآن أجهز نفسي لإجراء عمليتين في الفخذ الأيمن، وفي الساق اليسرى ضمن استكمال رحلة العلاج".

بصعوبة استجابت سماح لإجراء مقابلة حول تلك الحكاية، كانت ترى أنها ليست بحاجة شفقة أو عطف من أحد، ولكن حين استشعرت أن ما يكتب عنها سيعكس حياة سماح الإنسانة والشاهدة على الجرم الإسرائيلي وتخليدا للأناس التي عاشت معهم في ذلك الحي، فتحت قلبها وذاكرتها المبتورة.

تقول سماح الجريحة بعبارة متقطعة:" كل من دخل في ذاكرتي خلال المدة التي عشتها في غزة، إسرائيل قتلتهم، لقد مسحتهم إسرائيل عن هذا الوجود، وما تبقى منهم لقطات خاطفة وذكرى قصيرة خاصة بي".

تكمل في منحنى مختلف عن وقع القول الأول وبإسرتسال :" الحمد الله.. وبرغم كل اللي حصل(..) عمري ما اندمت على هذه الغربة أو التجربة، ولو يرجع فيا الزمن راح اختار هذه الحياة، برغم كل الي حصل معي، لأنه محمد كان أجمل شيء في حياتي، واكتملت حياتي بعميد وركان وماسة".

كل ما تفعله سماح في يومها الآن بجانب أنها تمكث أغلب وقتها على سرير المرض وتتحرك فقط للحاجة الضرورية وبمساعدة أمها، إما تقليب صور محمد وعميد وركان وماسة على هاتفها، أو تقليب ذكرياتها معهم في داخلها. تبكي مرة، تبتسم مرة، تصمت طويلا. لكن لديها ثقة تامة أنها ستلتقي بهم يوما ما في مكان ما. فهي متمسكة بنور أو أمل تلك العبارة التي سمعتها؛" حتجمتعي فيهم. لكن وقتك مش الآن".