هديل صافي _ شهد الوالي
يكفي لهذا القرارين، لتحديد طبيعة شخصية دكتور العظام رائد أبو ضاحي "46 عاما" المعيل لأربعة أبناء في منزل صغير وجميل وسط واقع وسط مخيم الشابورة غرب مدينة رفح.
القرار الأول في الأسابيع الأولى من زمن الإبادة على قطاع غزة، رفض الطبيب عملية الإجلاء له ولعائلته عبر وزارة الخارجية الروسية، إذ يحمل جنسية روسية. كان سبب الرفض بحسب ما تقول عائلته، إلتزامه بدوره الإنساني في مواصلة عمله لمساعدة زملائه في إنقاذ الجرحى الذين كانوا يصلون بالمئات إلى مستشفى رفح الحكومي.
أما القرار الأخير، كان حين ألقى الجيش الإسرائيلي مناشير من طائراته على مخيم الشابورة، يطلبون من السكان بالخروج الفوري، تمهيدا لحملة برية إسرائيلية تسبقها أحزمة نارية للمكان. رفض وقتها الطبيب الخروج لذات الهدف _ المهمة الإنسانية_، فيما سمح لزوجته وأبناءه النزوح إلى مدينة خانيونس.
تروي جنى الابنة الأكبر للطبيب عن تلك اللحظة، وهي التي تشبه والدها في صفاته وشكله، تكاد تكون نسخة كربونية عنه، قائلة :" حاولت والدتي معه لكن للأسف، كان عنيد جدا بقراره؛ ذهبنا إلى مواصي خان يونس -المنطقة الآمنة آنذاك- ونصبنا خيمة بالقرب من المحكمة الشرعية، ليبدأ فصلٌ جديد من حياة الخيام لوحدنا دون والدنا".
انقطعت الاتصالات بين الطبيب وعائلته، في الوقت التي كانت فيه جنى وأمها وأخوتها الثلاثة يعيشون فصولا من العذاب في تلك الخيمة دون السند والدهم.
ثقيلة؛ مرت تلك الأيام، فيما الحملة الصهوينية على غرب رفح وتحديدا مخيم الشابورة، جعلت من المكان أرض قافرة وقتلت وأحرقت كل شيء يتحرك هناك. بعد شهرين وتحديدا في تاريخ 23 من تموز 2024 أي بعد شهرين من انقطاع الأخبار عن الوالد والعائلة، وصل نبأ للعائلة باستشهاد الطبيب في قصف إسرائيلي مباشر.
تعلق هنا جنى، بصوت خافت :" لما وصلنا الخبر، هبطت على الأرض (..) بابا توأم روحي، بلغونا أنه في احتمال أنه يكون عايش، لكن أنا أول ما اسمعت الخبر، شعرت أنه شيء أنتزع من داخلي".
حين استقرت التهدئة التي توصلت إليها المقاومة خلال تفاوض غير مباشر مع الاحتلال، والتي كانت في بداية ياناير 2025، استطاعت عائلة الطبيب العودة إلى منزلها في مخيم الشابورة، المفاجئة أن منزلهم الوحيد كان على قيد الحياة، لكن مع الأسف، تأكد خبر استشهاد الطبيب رائد، لكن لم يعثر على جثته حتى صياغة هذه القصة.
الطبيب رائد واحد من مئات الأطباء الذين قتوا طوال زمن الإبادة، بحسب جمعية "العون الطبي للفلسطينيين" ذكرت في تصريحات سابقة أن الهجمات الإسرائيلية أودت بحياة أكثر من 1700 عامل في مجال الرعاية الصحية بين أكتوبر 2023 والشهر نفسه من عام 2025.
وللإشارة، هناك نحو 14 ألف مفقود من بينهم 4700 طفل وامرأة، ولم يعثر على أي جثة بعد.
تستدرك جنى :" أخبرنا أحد الشبان، أن جثمان والدي يقبع تحت ركام عمارة مكونة من خمسة طوابق، حاولنا التواصل مع الجهات المعنية للنبش والبحث عنه لكن دون جدوى".
بعد خرق الاحتلال للهدنة، أي في مارس بذات العام، عاد المكان لدائرة الخطر ولا إمكانية للبقاء بالمنزل الذي كان العيش به مريحاً بحسب قول جنى بعد تجربة حياة الخيام، فغادروا البيت للمرة الثانية وعادوا إلى خيمتهم.
جنى وعائلتها وكباقي العائلات خاضوا مرحلة التجويع الي اجتاحت كل زاوية في غزة و قرصت كل معدة و تعرض لها كل كائن حي بغزة.
لكن بجانب حدة الجوع تستذكر جنى، أيام حصار المخيم من قبل الآليات العسكرية، ففي العاشر من تموز 2025 فجراً وبشكل غادر، اقتحمت الجيش مخيم الرحمة حيث نصبت عائلة جنى خيمتها.
اضطرت جنى والنازحين هناك، للهرب تاركين كل شيء خلفهم. جلسوا مع أهل المخيم في حفرة طوال الليل دون غطاء، دون نوم، فقط رعب محاط بكل لحظة وبكل اتجاه. تكمل هنا:" كنت محتاجة بابا (..) تمنيت لو يكون معي دقيقة بتلك اللحظات".
أمام حالة الفقدان، وصدمات الرعب وذاكرة الجوع، لم يثنِ ذلك من عزيمة جنى لمواصلة حلم والدها وحلمها في دراسة الطب، لذلك تؤكد أنها مستعدة جيدا لخوض مسابقة امتحانات التوجيهي المقبلة لعام 2026.
ترفض جنى أن الظروف المحيطة بها، الموزعة بين هجمات الفئران الليلة، وحر الخيمة والظلمة لعدم وجود تيار كهربائي، بأن يكون سببا لتراجعها عن طموحها وحلم والدها، إذ تقول:" والدي مقابل مواقفه قدم روحه، وأنا من أجل هذه الروح، راح أكمل المشوار عنه حتى لو كنت أدرس في قعر النار، فهذا أقل شيء أقدمه لوالدي".
طبيبة الغربة
أنا.. شهد الوالي "22 عاما" من مخيم جباليا، أدرس المستوى الثاني بكلية الطب بجامعة عين شمس في مصر. وجدت مساحة للكاتبة عن تجبرتي القاسية، كطالبة مغتربة، وعائلتي في دائرة الموت بغزة.
منذ طفولتي وحين بدأ يتشكل نوعا ما من إدراكي وخاصة حول طموحاتي، عاش بداخي حلم أن أصبح طبيبة، حتى وصلتُ إلى الثانوية العامة (2021–2022)، وحصلتُ على 96% في الفرع العلمي، تحول ذلك الحلم إلى واقع.
أعيش داخل عائلة عاطفية جدا، رغم إيجابية هذا الشيء، إلا أنه كان اول عقبة أتعرض لها في مسيرة دراستي للطب، إذ انفصلت عائلتي بآراها حول استكمال دراستي في غزة أو السفر إلى الجمهورية المصرية لدراسة هناك، خاصة بعد حصولي على منحة دراسية في جامعة عين شمس.
أمي رافضة بالمطلق فكرة السفر والغربة لوحدي، فيما شقيقي الكبير ووالدي محمد، ضد رفض أمي، بين مد وجزر، اقتنعت أمي على مضض بالفكرة.
بعد استكمال إجراءات السفر والتي كانت مرهقة لي ولا أريد الغرق بالتفاصيل، في تاريخ 21/9/2022 ودعت امي واخوتي واخواتي، فيما كان معي رفيق السفر والدي، بعد ثلاث شهور تقريبا عاد والدي إلى قطاع غزة، وأصبحت وحيدة في بلد كبيرة.
بعد عام تقريبا، وانتهاء العام الدراسي الأول، رتبت مفاجئة لأمي، إذ عدت إلى قطاع غزة، لقضاء معهم العطلة الصيفية ومدتها تقريبا شهر، كان ذلك في أغسطس عام 2023.
لم أكن أعلم أنها ستكون نظرتي الأخيرة لكثير من الأشياء، عدتُ إلى القاهرة في 21/9/2023، بعد أن ودعت امي واخوتي واصدقائي وغرفتي واشيائي وذكرياتي.
لا انسى لحظة وداعي بشقيقي محمد وأحمد، فالأول محمد كان صديقي المقرب رغم أنه يكبرني بعشرة أعوام أشعر بالدفء كلما اسمع اسمه أو صوته، أما احمد رفيق روحي الفارق بيننا اربع سنوات.
وكالعادة، سافرت بصحبة والدي، بقي معي لمدة أسبوع ثم عاد إلى قطاع غزة، في صباح السابع من أكتوبر استيقظت كما استيقظ أغلب من كان يتابع ما يحصل بغزة، خليط من المشاعر صدمة، فرحة، توتر، تساؤلات مفتوحة.
ماذا عن أهلي؟ ماذا سيحلّ بهم؟كيف سيكون الأمر ؟! أصبحت عبارة عن جسدٌ يحاول الاستمرار،وروحٌ معلّقة هناك. يومًا بعد يوم، كانت التفاصيل تصبح أثقل.
في كل ليلة، كنتُ أعيش شتاتًا لا يُحتمل؛ غربة، وحدة، ودراسة تثقل القلب قبل العقل، وعيناي لا تعرفان النوم، خوفا من خبرٍ قد يأتي ويكسر ما تبقّى مني.
في البداية، كان أهلي معا وهذا منحني شيئا من الطمأنينة، لكن حين اشتدّ كل شيء، اضطرت أمي قسرًا لا اختيارًا أن تغادر الشمال إلى الجنوب، برفقة أختي الصغيرة، وزوجة أخي وطفلها أما إخوتي، قرروا البقاء هناك، يواجهون مصيرا مجهولا.
انقسم خوفي وتوتري الذي أصبح جزءا من شخصيتي، حول ظروف أمي ومن معها في حرّ الخيام، والجوع، والعطش،خوفًا يساوي صوت الانفجار، ونزوحًا يهددهم في كل لحظة.
أما في الشمال، كانا محمد وأحمد فيما الاتصال معهم مقطوع ومصيرهم مجهول؛ كنتُ أعيش بين قاعتين: قاعة امتحا، وقاعة خوف.
في كل ليلة، بينما ينشغل الطلبة بدراستهم، كنتُ أقلب القلق والتفكير والخوف أيامٌ طويلة فقدتُ فيها الاتصال بأهلي، لا أعلم من منهم على قيد الحياة، ومن منهم جائع، ومن يرتجف بردً،أو يحترق حرًا.
عامٌ كامل مرّ ككابوسٍ لا ينتهي. ثم جاءت ليلة من شهر أكتوبر لعام٢٠٢٤ اشتدّ فيها الحصار على الشمال، وبالأخص على بيت لاهيا، قصفٌ وحشي، اعتقالات، وجثثٌ غطت الطرقات.
في خضم كل هذا، كنتُ أجري اختبارات للفصل الثالث، على بوابة قاعة قاعة الامتحان، فجأة وصلتني رسالة من أختي مفادها: "أحمد… الحمد لله، خرج من الشمال."
غمرتني راحة لم تكتمل، ودون تفكير نطقت: "ومحمد؟" تجمّد الدم في عروقي، وسيناريوهات لا تُحتمل ملأت رأسي، أغمضتُ عيني، واستعذت بالله، ودخلت الامتحان ودموعي على خدي. وحين انتهيت، خرجت مسرعة، اتجهت إلى حديقة المستشفى لأختبئ من أعين زملائي، لأفرج عن دموعي.
يومها، لن أنسى طفلةً صغيرة كانت تبيع مناديل، اقتربت مني وسألت: "فيك ايه ؟"ابتسمتُ رغم وجعي وحيرتي، وقلتُ لها: "ادعي لإخواتي(..)".
لحسن حظي، بعد سويعات، أرسل لي شقيقي أحمد رسالة مطولة، يخبرني فيها عن رحلة نجاته، وختمها برفض محمد الخروج من شمال غزة. هدأ قلبي قليلًا… أو هكذا ظننت.
في مساء الجمعة بعد خروج أحمد بيوم والذي كان في التاريخ ٢٦ /١٠ /٢٠٢٤ زارتني أختي المتزوجة في مصر، شاء القدر أن تخرج من غزة قبل الحرب بأيام، لتكون سندي الوحيد في هذا الغياب الكبير، لكن رغم وجودها، لم تكن الطمأنينة كاملة، فجزءٌ مني كان لا يزال هناك، عالِقًا مع محمد.
لم أستطع أن أفهم تعابير وجهها من شدّة تعبي وتشتّت ذهني. كان كل شيء في داخلي مثقلاً، كانت الليلة الوحيدة التي عتقت فيها نفسي قليلًا من التفكير، وخلدتُ إلى النوم. جسدي كان منهكًا من السهر، والتعب، وكثرة القلق، كأنني لأول مرة أسمح لنفسي أن أسقط دون مقاومة.
عند الفجر تقريبًا، أيقظتني. فتحتُ عيني بصعوبة، نظرتُ إليها، فإذا بها جالسة كما هي، بلباسها الذي جاءت به، صامتة، ثقيلة الحضور بطريقة لا أفهمها.
في تلك اللحظة.. لم أكُ أحتاج كلمات، كان الصمت نفسه كافيًا ليزرع داخلي شعورًا غامضًا، كأن شيئًا ما على وشك أن يُقال، ثم مررت عبارة ببطء، ( شهد.. قومي (..) قصفوا البيت اللي فيه محمد).
كانت الكلمات كالرصاص… سقطت على قلبي قبل أن تصل إلى أذني تجمدتُ للحظة، كأن عقلي يرفض أن يترجم ما سمع ، كأن إنكاري هو طوق النجاة الوحيد، لكنها أكدت المعلومة بهدوءٍ لا يشبه وقع الخبر.
توقف الزمن داخلي. بقينا حتى الظهر تقريبا متمسكين بخيط أملٍ رفيع، كأننا نحاول أن نُبقي قلبنا معلّقًا على احتمال واحد فقط، أن يكون محمد ما زال حيا.
اشتدّ الوضع في المكان… وانسحب الناس الذين كانوا يحاولون إزالة الركام بأيديهم. واحدًا بعد الآخر، تراجع الأمل، مرت الساعات الثقيلة، ثم تأكد خبر استشهاد محمد، بعد عام ونصف لم يعثروا على الجثة.
رحيل محمد، أخذ جزءا من روحي، ولكن هذا الألم زادني عزيمة، إذ لم يعد استكمال دراستي حلمي لوحدي، إنما صار رسالة لوطني، ولشقيقي الشهيد.