غزة- أحمد أبو قمر


تمر غزة بواحدة من أكثر الأزمات الاقتصادية تعقيدا، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على الحصار أو محدودية الموارد بل امتدت لتشمل شريان الاقتصاد الأساسي المتمثل بالسيولة النقدية، فمع شح النقد الورقي والفكة، باتت الحياة اليومية للمواطنين أكثر صعوبة وتحولت أبسط المعاملات إلى تحديات معقدة.

تتقاطع هذه الأزمة مع واقع إنساني هش، حيث يعاني الغزيون من ارتفاع معدلات الفقر لأكثر من 90%، ونسبة بطالة تقدّر بـ 80%، ما يجعل نقص السيولة عبئا مضاعفا يهدد قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وفي ظل هذا المشهد، يتزايد الاعتماد على الدفع الإلكتروني كبديل اضطراري، رغم محدودية فعاليته في بيئة تفتقر إلى البنية التحتية الكاملة.

بينما تحاول بعض المؤسسات المصرفية العودة للعمل بشكل جزئي، تبقى الأزمة قائمة، إذ إن فتح الفروع دون توفر السيولة الفعلية لا يقدم حلولا حقيقية، بل يكرس حالة من الجمود المالي.


واقع معقد

في شمال غزة، يواجه المواطن إبراهيم شاهين واقعا يوميا معقدا فرضته أزمة السيولة، حيث بات الحصول على النقد وخاصة الفكة تحديا حقيقيا يؤثر بشكل مباشر على قدرته على تلبية احتياجات أسرته.

يقول شاهين إن عدم توفر الفكة يعني عجزا عن شراء سلع أساسية مثل الخبز أو دفع أجرة المواصلات، ما يجعل تفاصيل الحياة اليومية أكثر صعوبة مما كانت عليه.

ويعكس هذا الوضع تحولا قسريا نحو الدفع الإلكتروني، حيث اضطر شاهين للاعتماد بشكل شبه كامل على التطبيقات والمحافظ الرقمية، إلا أن هذا الخيار لا يلبي جميع الاحتياجات، إذ لا تزال العديد من المعاملات اليومية، خصوصا في الأسواق الشعبية والمواصلات، تعتمد على النقد بشكل أساسي، ما يضعه في موقف معقد بين خيارين كلاهما صعب، وفق قوله.

إضافة إلى ذلك، يشير الواقع إلى أن الأسعار عند الدفع الإلكتروني غالبا ما تكون أعلى مقارنة بالدفع النقدي، نتيجة عمولات أو فروقات سعرية يفرضها التجار، وهو ما يُبقى على نسبة الحصول على الكاش "التكييش" عند 20% وهو ما يزيد من العبء المالي على المواطنين.

وفي جانب آخر من الأزمة، يبرز نموذج المواطن محمد زكريا الذي يسكن الخيام في منطقة الزوايدة وسط القطاع، حيث يواجه تحديا مختلفا يتمثل في إغلاق حسابه المصرفي بشكل مفاجئ.

يقول زكريا إنه فوجئ بوقف حسابه لدى أحد البنوك، وعند مراجعته، تم إبلاغه بأن القرار جاء لأسباب رقابية وتنظيمية، دون تقديم تفسير واضح أو تفاصيل دقيقة حول طبيعة هذه الإجراءات.

 

يؤكد أن هذا القرار جاء في توقيت حرج، حيث يتجه غالبية المواطنين نحو استخدام الدفع الإلكتروني كبديل عن النقد، ما جعله في موقف صعب، "إذ يحرم من وسيلة أساسية لإدارة شؤونه المالية اليومية، ولم يعد قادرا على استلام أو تحويل الأموال، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرته على تلبية احتياجاته المعيشية".

وتعكس هذه الحالة وضع من القلق المتزايد بين الغزيين، حيث يشعر الكثيرون بوجود قيود مالية غير مفهومة تؤثر على استقرارهم الاقتصادي. ويطرح زكريا تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا التقييد، معتبرا أن ما يحدث يشكل نوعا من التضييق المالي الذي يزيد من معاناة المواطنين بدلا من تخفيفها.

 

أما المواطنة شيماء شعبان من مدينة خانيونس جنوب القطاع، والتي تعمل عن بُعد في مجال التصميم والمونتاج، فتواجه تحديا مختلفا مرتبطا بالحصول على دخلها من الخارج. ففي ظل القيود المالية المفروضة تجد نفسها مضطرة لاستخدام وسائل تحويل متعددة ومعقدة، ما يؤدي إلى اقتطاع جزء كبير من راتبها على شكل عمولات.

وتضطر شعبان في كثير من الأحيان إلى إجراء أكثر من حوالة مالية عبر وسطاء مختلفين حتى يصلها المبلغ، وهو ما يعني خسارة نسب مرتفعة من دخلها الشهري تصل إلى أكثر من 15%.

وتقول شعبان إن هذا الوضع لا يؤثر فقط على دخلها، بل يحد أيضا من قدرتها على التخطيط المالي أو الادخار.

تسلّط هذه الحالة الضوء على التحديات التي تواجه العاملين في الاقتصاد الرقمي داخل غزة، حيث لا تتوفر بيئة مالية مرنة تدعم هذا النوع من العمل. ومع تزايد الاعتماد على العمل عن بُعد كمصدر دخل بديل، تصبح الحاجة ملحة لإيجاد حلول تضمن وصول الأموال بشكل آمن وسريع وبتكاليف معقولة.


واقع مختلف للبنوك



لعل افتتاح فروع البنوك في غزة دون إتاحة السحب والإيداع الفعلي للمواطنين لا يغير من واقع الأزمة شيئا، إذ إن فتح الأبواب بلا سيولة حقيقية يترك الحسابات مجمدة ويدفع المواطنين للجوء إلى السوق السوداء، حيث يضطرون لدفع عمولات مرتفعة للحصول على النقد.

لايمكن الحديث عن عودة طبيعية للعمل المصرفي دون ضخ أموال نقدية كافية تتيح التعامل اليومي بسلاسة. فالسيولة ليست مجرد عنصر اقتصادي بل هي شريان الحياة الذي يضمن استمرار النشاط التجاري ودفع الأجور وتحريك عجلة السوق.


تجدر الإشارة إلى أن التقديرات الدولية تشير إلى أن كلفة إعادة الإعمار المالي تصل إلى نحو 42 مليون دولار، إلا أن الأولوية الحالية تتمثل في الحد من انتشار السوق السوداء وضمان وصول النقد إلى الفروع والصرافات بشكل منتظم.

 

بدوره، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي أن الدفع الإلكتروني في غزة لم يعد مجرد وسيلة حديثة لتسهيل الحياة، بل أصبح انعكاسا مباشرا لأزمة اقتصادية أعمق، تتجاوز نقص السيولة النقدية إلى اختلال في بنية السوق نفسها.

 

يقول الدريملي: "مع استمرار شح النقد الورقي وتلف جزء كبير منه وأزمة الفكة، وجد المواطنون والتجار والسائقون أنفسهم أمام خيار شبه وحيد، وهو الاعتماد على المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية لإدارة تفاصيل حياتهم اليومية".

 

لكن المشكلة، بحسب الدريملي، لا تكمن في التحول الرقمي بحد ذاته، بل في انتقال الناس إليه بشكل قسري دون توفر بنية تقنية ومالية قادرة على استيعاب هذا التحول.

ويؤكد أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين الحاجة الفعلية للخدمات الرقمية وقدرة النظام على تلبيتها، "فالدفع الإلكتروني يمكن أن يكون أداة لتعزيز الشمول المالي وتنشيط الاقتصاد، لكنه في بيئة هشة قد يتحول إلى عبء إضافي يربك الأفراد ويضعف الثقة في النظام المالي".

ويلفت إلى أن الحل لا يكمن فقط في التوسع باستخدام المحافظ الإلكترونية، بل في تطوير بنية رقمية أكثر مرونة، تشمل رفع سقوف التحويل وتحسين كفاءة الأنظمة وتوفير بدائل تعمل حتى في ظل ضعف الإنترنت.

تجدر الإشارة إلى أن أزمة السيولة في غزة تعكس صورة مركبة من التحديات الاقتصادية والإنسانية، حيث تتداخل المعاناة اليومية للمواطنين مع اختلالات هيكلية في النظام المالي. وبين محاولات التكيف الفردية والحلول المؤسسية المحدودة، تبقى الحاجة ملحة لتدخلات جذرية تعيد التوازن إلى السوق وتخفف من الأعباء عن كاهل الغزيين.