كل ما ظهر من انفلات أخلاقي ومجتمعي أثناء زمن الإبادة على قطاع غزة، كحالات السرقة وأكل الحقوق وخلاف بين الأفراد والعائلات، وانهيار في النسيج الاجتماعي ومنظومة القيم، وحتى تشكيل ميليشات وانضمام شبان مراهقين لها، كان متوقعا، وربما هي إفرازات طبيعية لإبادة امتدت لأكثر من 700 يوما.
لكن؛ ما لم يكن متوقعا، هي حالة القدح والسخرية واللعن التي مارسها بعض الأشخاص على مواقع التواصل الإجتماعي بحق الشهداء. إذ كان هناك شبان من قطاع غزة يمارسون هذه الأفعال الشيطانية من خلال حساباتهم الرسمية، فيما كانت بعضها بحسابات وهمية.
خلال تتبعي لهذه الحالة الخارجة عن الصف الإنساني والوطني، كانت تأخذ الشكل الفردي ولكن سرعان ما أصبحت منظمة وجماعية، يقودها أناس بالخفاء.
من شدة الهجمات وكثافتها، كان كثير من ذوي الشهداء يتردد بنعي أبطالهم على صفحاتهم الشخصية، خوفا وتجنبا من تلك الهجمات التي تعدت السخرية، إذ وصل تلفيقهم تهما غير أخلاقية بحق ذوي الشهداء من خلال هتك أعراضهم وأشياء أخرى.
كان أمرا محزنا، حين تحول مصطلح (الشهيد) الذي نضع أسفله ثلاث خطوط حمراء، في عرف وثقافة الفلسطيني إلى مادة للسخرية؛ لكن في الحقيقة لايمكن إرجاع هذا الأمر نتيجة الجهل أو لاشتداد الظروف المعيشية، بقدر أن الأمر كان حقدا دفينا في صدور هؤلاء.
أحاول أن أتجنب في هذه المقالة مصطلحات خادشة توصف تلك الثلة؛ لكن دون مقدمات، هؤلاء؛ تعدوا مرحلة الحقارة والخصام، لذلك فالكتابة عنهم قد يكون رجسا.
رغم هذا الأمر المؤلم في البيت الفلسطيني، إلا أنه أثره كان مؤقتا وحتى وإن كان بليغا في بدايته، على صدور ذوي الشهداء والأحرار؛ لكن الأمر الأخطر بالنسبة لي وإلى العقلاء، والقضية التي يجب أن يكتب عنها وتُفرد على جميع الطاولات، هو الخلاف والمشاكل التي أصبحت تطفو على السطح بين عوائل الشهداء وخلافهم القائم على راتب أو كفالة الشهيد.
رصدت مراسلة مجلة "مخيم"، عشرات القصص حول هذه القضية المجتمعية، صحيح أنها قديمة جديدة، لكن من شدة كثافتها وتعقيدات بعض الخلافات لدرجة لحظة الاستماع لبعضها يدخلك بحالة صدمة، كان واجب وإلزامي من فريق عمل "مخيم" فتح هذا الملف الأكثر حساسية في الأسرة الفلسطينية، لا نريد إظهار الوجه القبيح للأسرة بغزة، بقدرأن العلاج بـ ( الكي) هو الأنسب لمثل هذه الظروف.
لا يمكن بحال من الأحوال، أن يكون راتب أو كفالة الشهيد، سببا يوقع الشجار والخلاف بين ذوي الشهداء، خاصة بين والديه وأرملته، إنما راتب أو كفالة الشهيد ملف لا يمكن الحديث فيه، على قاعدة ( ما بنحكى في المحكي) فهو من مسلمات الأمانة من باب العقيدة ومن باب الإنسانية، فالضحية على الأصعد كافة هو طفل الشهيد.
والأمر المؤسف، أن هذه اللوثة قد وصلت إلى بعض عوائل الشهداء (المتدينة) الأمر الذي يعكس حدة المشهد، لكن لايمكن القول إن هذه الحالة أصبحت ظاهرة، لكن كل شيء وارد إذ لم يسرع كبار العوائل والعقلاء ورجال الإصلاح في محاولات رآب الصدع.
وعلى ذلك، ولأن - لا وقت للوقت - وسط هذه الظروف القاهرة، وعلى اعتبار أن الشعب في غزة، هو شعب قبلي بطبعه، يجب من المثقفين والعقلاء والقادرين، دعم دور رجال الإصلاح ومخاتير العوائل، بما يلزم لأن يقوموا بدورهم في الوقت المطلوب وفك النزاعات للخروج بأقل الأضرار.
والرسالة الثانية؛ هي نص تنبيهي للمؤسسات والجمعيات التي تصرف كفالات مالية للأيتام؛ وهو توسيع الكادر الرقابي وتكثيف الجولات الميدانية على أسر الشهداء المستفيدة، وإتخاذ إجراءات صارمة بحق المتجاوزين.
هذه المقالة، أقل من أن تضع الحلول وتسعى لوضع خطة لمعالجة هذه الحالة؛ لكن يكفي أن تخبر كل من هو مسؤول عن أيتام أو أبناء الشهداء وتخبر كل زوجة شهيد، أن هذا الاختبار الحقيقي لكل فرد مسوؤل من موقعه؛ وأن الأمانة لم تستطع حملها الجبال ولا البحار، لكن يستطيع حملها إنسان آمين فهم ما هو مطلوب منه.
في خلاصة الأمر: نعلم أن واقع غزة المعيشي لا يمكن وصفه من شدة تعقيداته وتعقيدات ظروفه القاهرة، لكم يجب أن يعلم كل فلسطيني، أنه قد نبقى في حالة تيه ربما لسنوات طويلة إذ لم ندرك أن عدونا الحقيقي هو بالداخل، والقضاء عليه، يبدأ بخطوات عملية، أبرزها إرجاع الحقوق المادية والمعنوية لأهلها، ففي سياق ما؛ هذا بداية الطريق المختصر للخروج من حالة التيه.