مراسلتنا – مها إبراهيم
( ملاحظة مهمة من غرفة التحرير: جميع الأسماء مستعارة، حفاظا على النسيج الإجتماعي)
"مرحبا.. أيها النازح في الخيام"، أدرك أنك متذمر جدا من هذا الواقع، وتهيء نفسك المثقلة لفصل الصيف، أعلم أن الليل ثقيل عليك، خوفا من القوارض التي قد تهاجم أحدا من أطفالك، ولا داعي لأن تخبرني عن طابور المياه الذي تقف فيه لساعات، وعن فكرة كيف توفر وجبة اليوم لعائلتك.
لكن، هناك قضية إجتماعية قديمة جديدة، بدأت تطفو على السطح بشكل كثيف، إذ تعد أبرز انعكاسات الإبادة على قطاع غزة، وهي الخلافات الدائرة بين ذوي الشهداء على الراتب وكفالة الأيتام، فلعل تفهمك لهذه الأزمة، لربما قد تكون سببا في مساعدة أحدهم، فبلا شك هذا الخلاف قد وقع أو يقع في دائرتك المقربة وأنت لا تدرك ذلك.
قبل كل شيء، تشير التقديرات إلى وجود نحو 64 ألف طفل يتيم في قطاع غزة نتيجة المعارك السابقة والحرب الأخيرة، ما يعني أننا أمام جيل كامل فقد أحد والديه أو كليهما.
هذا الواقع يفرض حاجة ملحّة إلى دعم مادي ومعنوي لهؤلاء الأطفال، إذ يصبح التعاطف والتكافل لإعالة اليتيم وأسرته أولوية، بدلاً من تعميق الانقسام وتمزيق شمل الأطفال بين الأمهات والأجداد.
الجد وسجائر الأيتام
كانت تعيش الأم الشابة غدير محمود "32 عاما"، في دير البلح مع زوجها وأطفالها الثلاثة في الطابق العلوي لمنزل عائلة زوجها. لم تنزح من بيتها قط كونهم كانوا يسكنون في منطقة آمنة قرب مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع.
زوج غدير ويدعى وسام "35 عاما"، كان يعمل ممرضا، يخرج يوميا لعمله ضمن خطة طوارئ وزارة الصحة، كان ما يخفف عنه مشاهد الأشلاء والدم والمجازر وعشرات الشهداء والمئات الإصابات التي يتعامل معها، هو عودته لبيته بدلا من الخيمة، ووجود عائلته كاملة ويستطيع في ظل الغلاء توفير أبسط الاحتياجات الأساسية لصغاره من طعام معلب.
قبل انتهاء الحرب بست أشهرتقريبا، ، قصفت منطقتهم بحزام ناري، فخرجت من تحت الانقاض برفقة صغارها ( فاطمة ويامن وزين) وجديهما، بينما زوجها الممرض واخوته الأربعة ارتقوا شهداء.
بعد دفن الشهداء وخروجهم من المستشفى، أقاموا خيامهم فوق أنقاض بيتهم، مرت أيام الرحيل ثقيلة على غدير، وفي ذروة هذا الحزن والضغط النفسي لتلك الأم، بدأت تخترق أصوات الخلاف مع أهل زوجها قماش الخيمة.
لدرجة أن حكايتهم أصبحت معروفة بين سكان الخيام في تلك المنطقة، فالحمى – جد الأيتام- يريد تولي شؤون أحفاده ويتحكم بالكفالات التي تصلهم وراتب ابنه.
تفضفض غدير، لمجلة "المخيم" قائلة: "لا مانع لدي من أن يتحكم والد زوجي الشهيد بالكفالات، فالمهم أن يجلب احتياجات أطفالي من تلك الكفالات وهي حقهم الشرعي، لكنه يصرفها على ملذاته فيشتري الدخان، وأحترق أنا حين يطلب مني صغاري شراء الطعام أو ملابس يستطيعون الذهاب بها الى الخيام التعليمية".
تضيف وهي تفرك أصابعها، - حركة تظهر مدى توترها- :" حين أطلب منه أن يفرج عن الكفالات التي تصل باسمه ويشتري لنا الطعام يقول " هاتوا أكلا من التكية أحسن"، عدا عن تعنيفه للصغار وتوبيخهم عند أي تصرف، هم يريدون " الحنان" وأبسط الاحتياجات اليومية".
يبرر جد الأطفال هذه الأفعال، بحجة أن غدير قد تتزوج وتنفق تلك الكفالات على زوجها الجديد، هكذا تفسر زوجة الشهيد الحالة.
عائلة غدير تقيم في خيمة أيضا في ذات المحيط، وهم من يصرفون عليها وعلى أولادها، وحاولت مرارا أن تنتقل إليهم، لكن حماها يرفض ذلك خشية أن تجد طريقة لقطع عنه الكفالات.
وتوضح أن المشاكل حول الكفالة لاتزال مستمرة وتؤثر على نفسية صغارها، لدرجة في حال اشترت لهم ملابس أو احتياجات الصغار يخبرونها "هل يعرف سيدي؟"، "كيف بدنا نقوله اشترينا ولو سألنا ايش نقول؟"، معلقة : صغاري يخافون غضبه (..) لا أعلم كيف يهون عليه أن تكون سجائره من مال اليتيم".
يأكل مالهم ويدفعهم للعمل
من مدينة النخيل وسط القطاع إلى عمق مدينة غزة، تنصب لمى خليل – اسم مستعار- خيمتها بالقرب من عائلتها، بعدما نزحت من منطقة مشروع بيت لاهيا ودمر منزلها واستشهد زوجها تاركا لها 5 أبناء.
كان يعمل زوجها في مهنة النجارة، وواصل عمله خلال الحرب، إذ كان يصلح الخيام للنازحين ويبيع الحطب للطهو، لكن خلال ذهابه إلى التكية لاحضار وجبة الغداء استشهد على الفور تاركا اياها في حرب جديدة، لا تقتصر تربية الأبناء بل في انتزاع حقوقهم من والده.
في الأصل، كان حماها هو "خالها" وبعد استشهاد ابنه عرض عليها عقب انتهاء عدتها أن تتزوج ابنه الآخر، لكنها رفضت وقررت أن تبقى على تربية أولادها.
ومع وجود كفالات للأيتام من قبل الجمعيات الخيرية، كانت تشكو دوما من قلتها وعدم كفايتها لإعالة أولادها لتكتشف حين طرقت باب جمعية تكفل الأيتام أن لأبنائها كفالات تسجل باسمهم لكن حماها هو من يستلمها بدلا منها وينفقها على بقية أبنائه الكبار.
تبكي بحرقة وتقول:" واجهت خالي كيف تأكل مال اليتيم؟، فكان رده، "هذا من حقي فهو مال ابني الشهيد".
وتستطرد أم الأيتام الخمسة : "لا أمنع شيء عن أهل زوجي من حقهم الشرعي في مال زوجي، لكن الكفالات من حق الأولاد لتأمين قوتهم اليومي".
تقول لمى بعبارة واضحة ومختصرة: "يتحجج والد زوجي بحرمان الأولاد من مال الكفالات بأن لدي أخوة يعيشون في الخارج ويرسلون المال لمساعدتي".
تشعر الأرملة لمى، بالحرج دوما من إخوانها الذين يرسلون المال لأولادها، وفي الوقت نفسه تدرك أن لديهم التزامات اخرى فوالدها ايضا شهيد ولديها أم واخوة بحاجة للرعاية.
أما أبناؤها الذين تتراوح أعمارها ما بين ثمان لـ 14 عاما، فجميعهم يعملون، منهم من يبيع في السوق، واخر يخدم سكان الخيام ويجلب احتياجاتهم مقابل شواكل قليلة، وقد أجبروا الأطفال الخمسة للبحث عن أي عمل تجنبا لإعتداء جدهم عليهم في حال طلبوا منه المال.
كفالة اليتيم "أمانة"
في حديثها عن كفالة الأيتام، تؤكد الاختصاصية النفسية فاطمة صبيح أن هذه الكفالة ليست مجرد مساعدة مالية، بل "أمانة" ومسؤولية أخلاقية وشرعية تقع على عاتق الوصي على الطفل، موضحا أن المبلغ المخصص للكفالة هو حق خالص لليتيم، يُفترض أن يُنفق على احتياجاته الأساسية من غذاء وملبس وتعليم ورعاية، ولا يجوز التعامل معه كدخل للأسرة أو وسيلة لسداد التزامات أخرى.
وتشدد صبيح لـ "المخيم" على أن هذا الحق لا يخص الأم أو الجدة أو أي من أفراد العائلة، بل هو ملك للطفل وحده، حتى وإن كان يعيش معهم. وتلفت إلى أنه في حال كانت الأسرة تعاني من ضائقة مادية، يمكن استخدام جزء محدود من الكفالة لتغطية تكاليف رعاية الطفل بالمعروف، دون تجاوز أو استغلال.
وتحذر من أن الخلافات بين الأم وعائلة الأب حول أموال الكفالة تترك آثارًا نفسية عميقة على الطفل، إذ قد يشعر بأنه "عبء" أو مجرد مصدر دخل، ما يزعزع إحساسه بالأمان والانتماء.
وتوضح أن الأجواء المشحونة والنزاعات المتكررة قد تدفع الطفل لفقدان الثقة بمن حوله، خاصة إذا شعر بغياب الشفافية أو بوجود سلوكيات قائمة على الإخفاء أو التلاعب.
وتؤكد صبيح أهمية التعامل مع الطفل بصدق ووضوح فيما يتعلق بالكفالة، بما يتناسب مع عمره ودرجة وعيه، مشيرة إلى أن إطلاعه على حقوقه يعزز ثقته بنفسه ويشعره بالأمان. كما تدعو إلى إشراكه تدريجيًا في فهم كيفية إنفاق هذا المال، ليُدرك أنه يُستخدم لخدمته وتلبية احتياجاته.
وفي السياق ذاته، توصي بضرورة توثيق جميع المصروفات المتعلقة بالكفالة، حفاظًا على الشفافية وضمانًا لحقوق الطفل، إلى جانب تخصيص جزء من المبلغ للادخار لمستقبله. كما تحذر من استخدام الكفالة كوسيلة للضغط النفسي أو التذكير المستمر بها، لما لذلك من أثر سلبي على كرامة الطفل.
وتختم صبيح بالتأكيد على أن رعاية اليتيم لا تقتصر على الجوانب المادية، بل تتطلب بيئة آمنة ومستقرة نفسيًا، تُقدَّم فيها مصلحة الطفل على أي اعتبارات أخرى، مع الحفاظ على العلاقات الأسرية بعيدًا عن النزاعات التي قد تُهدد توازنه النفسي.
احترام الدماء
في حكاية متشابهة، ولكن هذه المرة الضحايا تبدلت أدوارهم؛ قبل زمن الإبادة، كان لدى العم أبويوسف بقالة جيدة الامكانيات وسط مخيم الشابورة غرب مدينة رفح، كان ابنه الوحيد ياسر "28 عاما"، يعمل معه بساعات متفرقة.
بعد ما جهز الوالد، شقة لنجله الوحيد، تزوج ياسر من سمر "24 عاما" وأقيم حفلا زفاف كبير ومتكامل وفق أبو يوسف، كان ذلك في أغسطس عام 2021، حملت سمر مبكرا، والجميل في ذلك أنها أنجبت توأم ذكر.
يقول أبو يوسف "66 عاما"، :" ياسر كان كل حياتي، اجى لي بعد عطش 12 عاما، كنت مستعجل عليه يكبر ويتزوج، لما أنجب توأم وسمى واحد على اسمي، شعرت اني ربنا عوضني بكل حاجة، مصدر رزق محترم، وبيت جميل، ولا وأحلى حاجة التوأم".
للأسف لم تكتمل فرحة أبو يوسف، وهو حال مئات الألاف بغزة، ففي الفترة الأولى من الحرب، قتل وحيده ياسر في قصف لمجموعة مواطنين في سوق رفح المركزي.
وفي غمرة الألم والفقدان، بعد أسبوعين دمرت بقالة أبو يوسف، ليذهب السند ياسر ومصدر الرزق في أقل من شهر.
دخل أبو يوسف في حالة جسدية ونفسية صعبة، خاصة وهو يعيش في خيمة مع زوجته، بالكاد أدنى مقومات الحياة متوفرة، فيما سمر أخذت توأمها وهربت إلى عائلة والدها وسط القطاع، ولم يعرفوا عنها أي معلومة منذ ذلك اليوم.
يقول أبو يوسف: "حين هاتفت سمر لأطمن على التوأم، صدمتني في الرد، بتحكيلي الأولاد بخير، بس ما تفكر تأخذ أي شيكل بيجي على أسمائهم، تتأملش كثير". قطع والد الشهيد حديثه وصمت طويلا.
خلال رصد ميداني لمراسلة "مخيم"، تبين أن هناك عملية تحريض من أمهات الأرامل على اهالي زوجها، من خلال زرع الخوف من السيطرة على الكفالات، وبلا شك حدة سوء الفهم أو الظن يزيد من الخلافات الأسرية والتفكك المجتمعي.
بالعودة لقصة أبو يوسف، أكمل بنبرة قوية: " صحيح لا عندي دواء وبأكل من التكيات، لكن أنا عزيز نفس، سمر لما كانت بينا كانت أميرة، احنا مش أعداء لها، بتفكرنا طمعانين في الكفالة الي بتجي للتوأم، أصلا من الواجب عليها شرعا وقانونا، أنه تفقدنا لو بالكلمة الطيبة، على الأقلية تحترم دم ابني الشهيد.. لكن معلش".