مخيم جباليا - أحمد أبو قمر
في لحظات قليلة، تحول الخوف إلى قرار والبركة الملوثة إلى ساحة لإنقاذ حياة. لم يتردد الشاب يزن صالح البالغ من العمر 20 عاما، حين رأى طفلة صغيرة تكافح الغرق داخل بركة أبو راشد لتجمع مياه الصرف الصحي في مخيم جباليا شمال قطاع غزة.
ركض من منزله المجاور للمكان، من دون أن يفكر في هاتفه أو أوراقه الشخصية التي بقيت في جيبه أو في مخاطر الغوص في مياه ملوثة قد تحمل الأمراض، كان كل ما يشغله هو إنقاذ الطفلة من الماء قبل فوات الأوان.
كان المشهد كما يروي يزن، سريعا ومربكا، لكن الخطر كان واضحا، طفلة صغيرة سقطت في بركة مياه الصرف الصحي وأخذت تكافح للبقاء على قيد الحياة، بينما لم يكن أمامها ما تستند إليه للخروج.
لحظة إنقاذ
لم يكن أمام الشاب العشريني وقت للتفكير في الأمراض التي قد تنتقل إليه بسبب ملامسة مياه الصرف الصحي ولا في الملابس التي ستتلوث ولا في العواقب الصحية المحتملة، كان يرى طفلة تغرق وتشرب من المياه الملوثة وكل ثانية تمر تعني أن الخطر يقترب منها أكثر.
غاص يزن في البركة وتمكن من الوصول إلى الطفلة وإخراجها من المياه في مشهد وصفه شهود بأنه كان أشبه بسباق مع الوقت لإنقاذ حياة طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها.
كانت الطفلة، هبة إسلام أبو مشايخ، ذات الخمسة أعوام، قد أمضت نحو ثماني دقائق داخل البركة قبل أن يتمكن يزن من إخراجها، بحسب ما تروي والدتها. ثماني دقائق بدت لعائلتها ومن كانوا في المكان أطول من قدرتهم على الاحتمال.
تقول والدة هبة إن ابنتها كانت في وضع صحي حساس قبل الحادثة، فهي تعاني من مرض في الكلى وتحتاج إلى متابعة دورية، إضافة إلى وجود دم في البول، كما تعاني من الحمى الفرفرية، وهي حالة مرتبطة بالتهاب الأوعية الدموية الصغيرة.
لذلك، لم يكن سقوطها في مياه الصرف الصحي مجرد حادث عابر بالنسبة إلى العائلة، بل زاد من مخاوفها بشأن وضعها الصحي واحتمال تعرضها لمضاعفات.
تكمل والدتها: "عشنا دقائق صعبة للغاية، ابنتي بقيت نحو ثماني دقائق في البركة دون القدرة على إخراجها، الأسرة تشعر بقلق كبير على صحة طفلتها، خصوصا في ظل الظروف الصحية الصعبة التي يعيشها سكان مخيم جباليا وضعف إمكانات الرعاية والمتابعة الطبية.
تحمل قصة هبة جانبا إنسانيا آخر أكثر قسوة، فوالدها مفقود منذ سنوات بعدما غادر في محاولة للهجرة إلى دولة أوروبية، في وقت كانت والدتها حاملا بها.
ومنذ ولادتها، لم ترَ هبة والدها، لتكبر في ظل غيابه، قبل أن تجد نفسها في لحظة أخرى من الخطر وهذه المرة داخل بركة للصرف الصحي.
أما يزن، الذي أصبح اسمه مرتبطا بعملية الإنقاذ، فلا يرى فيما فعله بطولة استثنائية بقدر ما يراه واجبا إنسانيا لم يكن يستطيع تجاهله.
مع ذلك، فإن الشاب الذي خاطر بحياته لإنقاذ طفلة يحمل هو الآخر حلما مؤجلا. ويقول إنه يتطلع إلى الحصول على منحة دراسية تتيح له مواصلة تعليمه وبناء مستقبله، لكن الحرب والظروف التي فرضتها على سكان قطاع غزة تقف عائقا أمام تحقيق حلمه.
وبينما يحاول يزن أن يتطلع إلى مستقبله، فإنه يطالب في الوقت نفسه بحماية أطفال المخيم من خطر البركة التي كادت أن تودي بحياة طفلة.
ويوجه رسالة واضحة بضرورة إغلاق بركة أبو راشد بالكامل ووضع ما يمنع وصول الأطفال إليها إلى جانب سحب المياه المتراكمة فيها. فالمشكلة من وجهة نظره، لا تتعلق فقط بخطر الغرق وإنما تمتد إلى المخاطر الصحية التي تهدد سكان المنطقة بسبب مياه الصرف الصحي وما تجتذبه من القوارض والبعوض.
يقول يزن إن إغلاق البركة بشكل كامل أصبح ضرورة لحماية الأطفال ومنع تكرار حادثة الطفلة هبة، مؤكدا أن بقاء هذه المياه المتراكمة يشكل خطرا مستمرا على السكان.
جرس إنذار
شاهد العيان صلاح تيسير كان من بين الذين تابعوا لحظات سقوط الطفلة في البركة، ويصف المشهد بأنه كان مروعا، موضحا أن هبة كانت تلعب بالقرب من أطراف البركة قبل أن تسقط داخلها.
ويقول صلاح إن الأهالي طالبوا مرارا بضرورة إغلاق البركة وتأمينها بشكل جيد لكن تلك المطالب لم تجد استجابة كافية.
يضيف: "السياج المحيط بالبركة تضرر خلال العدوان الإسرائيلي على المخيم، لكنه لم يصلح بعد ذلك، ما ترك المكان مفتوحا أمام الأطفال خصوصا مع وجود مأوى للنازحين بالقرب من البركة، الأمر الذي يجعل المنطقة أكثر ازدحاما بالأطفال الذين يلعبون في محيطها".
لا تتوقف معاناة سكان المنطقة عند خطر السقوط في المياه، فبحسب المواطن صلاح يعيش الأهالي وسط انتشار للبعوض والقوارض إلى جانب ما يصفه بالإهمال الذي يحيط بالمكان.
يكمل: "كان منظر سقوط الطفلة داخل البركة مروعا، طالبنا مرارا بضرورة إغلاقها بشكل جيد ولكن لا مجيب".
في مخيم جباليا، حيث يواجه السكان ظروفا قاسية، تبدو بركة أبو راشد أكثر من مجرد تجمع لمياه الصرف الصحي، إنها خطر يومي يحيط بالأطفال والعائلات ويذكر بأن غياب الحماية والصيانة قد يحول لحظة لعب عابرة إلى مأساة.
لكن في خضم هذا الخطر، بقيت لحظة إنسانية واحدة حاضرة، شاب في العشرين من عمره لم يتردد في الغوص إلى المياه الملوثة لإنقاذ طفلة صغيرة.
اليوم، وبعد أن خرجت هبة من البركة، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى سكان المخيم، هل ستبقى البركة مفتوحة أمام خطر جديد أم تتحول حادثة هبة إلى جرس إنذار يدفع إلى تأمين المكان وإغلاقه؟
أما يزن، فيحمل من تلك اللحظة قصة إنقاذ وحلما بالدراسة ورسالة إلى من يستطيع المساعدة، حماية الأطفال وإزالة الخطر وتعزيز صمود سكان المخيم، حتى لا يضطر طفل آخر إلى مواجهة الموت في بركة للصرف الصحي.