شمال غزة – نبيلة مسعود

هناك مقولة للكاتب الصحافي الفلسطيني يوسف فارس، حول المجازر الإسرائيلية التي ارتكبت في زمن الإبادة، وهي " إن المجزرة التي لا توثق كأن إسرائيل لم ترتكبها".

لذلك قد تكون هذه القصة ينقصها الكثير من المعلومات وطريقة المعالجة، ولكن بكل الأحوال يكفي أنها  كشفت ووثقت مجزرة "منسية".

في شمال قطاع غزة، لم تكن الليالي تُقاس بالساعات، بل بعدد الانفجارات التي تمزق الصمت، وبحجم الخوف الذي يملأ القلوب. كانت السماء مغطاة بالدخان، وأصوات القصف لا تتوقف، فيما يحاول الناس النجاة بما تبقى لديهم من صبر وأمل.

في ليلة السابع والعشرين من أكتوبر 2023 بدت كغيرها من الليالي التي عاشها اهل غزة منذ اندلاع الإبادة.

 أصوات الانفجارات كانت تقترب شيئًا فشيئًا، والوجوه يسيطر عليها القلق والترقب. وعند الساعة الحادية عشرة مساءً، دوّى انفجار عنيف هزّ حي العلمي الواقع في عمق مخيم جباليا شمال قطاع غزة، معلنًا بداية واحدة من أكثر الليالي قسوة على عائلة أبو مطر، المتواجدين في مبنى مكون من أربعة أدوار.

ارتفعت أصوات الصراخ والاستغاثة من بين الركام، فيما اندفع عدد قليل من الجيران نحو المكان، رغم شدة القصف وخطورة الحركة ليلًا.

بعضهم حاول إزالة الحجارة بيديه، وآخرون وقفوا عاجزين أمام حجم الدمار، يراقبون المشهد بقلوب مرتجفة، مترقبين العثور على ناجين، ومع وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني، بدأت رحلة البحث بين الأنقاض وسط ظروف بالغة الخطورة.

كان التقدم بطيئًا، والخوف يرافق كل خطوة، فيما كانت فرق الإنقاذ تنتشل الشهداء والمصابين واحدًا تلو الآخر.

خلال هذا المشهد، كانت الناجية سمر أبو مطر "42 عاما"، تبحث بيديها بين الركام عن أفراد عائلتها والمفقودين. تتنقل بين الجثامين والمصابين محاولة التعرف إلى من تبقى من أقاربها وجيرانها.

تسترجع سمر في شريط الذاكرة: " الوقت في تلك الليلة كان يسير ببطء ثقيل، وإن كل دقيقة كانت تحمل صدمة وكبيرة، ما زالت في ذلك الكابوس الممتدد".

لم يكن المنزل المستهدف مجرد مبنى سكني، بل كان عبارة عن مخيم نزوح أو حي كامل، إذ كان يؤوي قرابة 80 فردًا من عدة عائلات، تجمعهم تفاصيل الحياة اليومية تحت سقف واحد منذ اندلاع الحرب، ولم ينجو من ذلك الجموع سوى 13 شخصا.

لكن خلال ثوانٍ معدودة، تحوّل منزل عائلة أبو مطر، المكوّن من أربعة طوابق، إلى كومة هائلة من الركام والحجارة المتناثرة في الشارع، واستمرت عمليات البحث تحت الأنقاض ثلاثة أيام متواصلة، وما تزال هناك جثامين ومفقودين لم يُعثر عليهم حتى صياغة هذه القصة.

تكمل سمر، أنها تعرفت إلى معظم الجثامين، رغم أن كثيرًا منها كان متفحمًا وأشلاء وتضيف أنه في إحدى اللحظات، عجز الشبان عن التعرف إلى أحد الشهداء، فتقدمت نحوه وتعرفت عليه من أظافره فقبل نصف ساعة من المذبحة، كانت قد قلمت أظافره، كان ذلك طفلها يوسف.

وتتابع بصوت مثقل بالألم: "كنت أريد إخبار العائلة الموزعة على مناطق قطاع غزة، لكن لم يكن هناك اتصال أو إنترنت". فقد كانت شبكات الاتصالات والإنترنت مقطوعة بشكل كامل آنذاك، ولم يتمكن أقاربهم معرفة ما حدث إلا بعد أيام.

في محاولة رسم لتوزيع المتواجدين في المنزل الضخم الذي يتكون من شقتين في كل دور قبل لحظة القصف بدقائق، كان كالتالي: في الطابق الأول كانت تعيش العمة فردوس، البالغة من العمر 65 عامًا، والتي عُرفت بين أفراد العائلة بحنانها الكبير، حتى بات الجميع يعتبرها أمًا لهم، وشقتها عبارة عن صالون العائلة المركبة.

أما عن الشقة المقابلة ، كانت تعيش الحاجة خديجة "أم عيدة"، البالغة من العمر 65 عامًا برفقة ابنتها عيدة وولدَيها محمود وعبد الهادي، كانت عيدة تستعد للسفر إلى زوجها في بلجيكا خلال تلك الايام.  فيما يحتمي بالشقة، الرجل ناجي "45 عاما"  وزوجته سمر - رواية القصة - وأبناؤهما الخمسة ( وداد، وإسراء، ومنة، يوسف، كرم)، ومعهم أيضا عائلة جارهم محمد أبو صفية وزوجته وبناتهما الثلاث، الذين اعتاد منذ اندلاع الحرب على قضاء الليل مع عائلة ابو مطر. نجى من هذا الطابق عائلة سمر فيما قتل طفلها يوسف.

وعن الطابق الثاني، كان يضم منزل العم عدنان، البالغ من العمر 50 عامًا، وزوجته هالة  "46 عاما" وأبنائهما الستة: وداد، وآمنة، وسوما، وملك، ومحمد، ومحمود، وفتحي، وباسل. ولم ينجو سوى باسل فقط.

وفي الجهة المقابلة، بيت العم سمير، البالغ من العمر 56 عامًا، مع زوجته عفاف وأبنائهما: منال، وأحمد، وحسن وزوجته إيناس، وأطفالهما الأربعة. ولم تنجُ من هذا الطابق سوى منال.

أما الطابق الثالث، بيت العم فتحي، البالغ من العمر 60عامًا، مع زوجته انشراح، وأبنائه: أحمد، العريس الجديد، وعروسته ديانا، ويوسف وزوجته سجود وأطفالهما الثلاثة، ووسام وزوجته ميساء وأطفالهما الثلاثة، ومحمد وزوجته إسلام وطفلهما سيراج. ولم ينجُ أحد من هذا الطابق.

أخيرا، الطابق الرابع، فكان لا يزال قيد التجهيز ليكون منزلًا للأبناء؛ إذ خُصصت شقق لمحمد وحسن، ابني العم سمير، وكذلك شقيقهم الثالث محمود وزوجته سهام وطفليهما. وقد نجا الجميع هناك باستثناء طفلي محمود.

قبل لحظات من تلك المذبحة، كانت أصوات أحاديث الشباب تملأ المكان، وكانوا يستعدون لتناول العشاء معًا في الطابق الأخير. هذه أخر ما تتذكره سمر.

قصة عائلة أبو مطر ليست سوى واحدة من آلاف الحكايات التي تختصر واقع العائلات في غزة؛ عائلات كانت تعيش تفاصيلها اليومية البسيطة، قبل أن تجد نفسها مشطوبة من السجل المدني.