شمال غزة_ نبيلة مسعود



عصر يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام 2024، أي في العام الثاني من زمن الإبادة على قطاع غزة، فتح الجيش الإسرائيلي نيرانه برًا وبحرًا وجوًا باتجاه مناطق الشمال، بعد هدوء نسبي استمر قرابة خمسة أشهر من توقف القتال.

بدأ الجيش بأحزمة نارية في عمق مخيم جباليا، دمّر فيها عشرات المنازل فوق رؤوس ساكنيها، فيما كانت القذائف المدفعية تتساقط بشكل عشوائي من جهة الشرق، وكذلك من جهة الغرب حيث شاطئ البحر، حين فعلت الزوارق الحربية الأمر ذاته. نعم، عادت الإبادة من حيث بدأت، وربما بقوة وحجم نيران غير مسبوقين.

كانت هذه الأجواء صفارة البداية لحملة عسكرية إسرائيلية برية على شمال غزة، وتحديدًا مخيم جباليا، والتي أُطلق عليها اسم "خطة الجنرالات".

في غمرة تلك الحمم البركانية الإسرائيلية التي تنهال على رؤوس النساء والأطفال، كان العم صلاح الترامسي (58 عامًا)، الذي يقع منزله المكوّن من ثلاثة طوابق غرب المخيم، وتحديدًا في حي "التوبة"، قد اجتمع بأفراد عائلته المكوّنة على عجل، وأعطاهم جميعًا حرية القرار: إما البقاء في المنزل وتحمل تبعات ما يحصل، أو النزوح إلى مكان مجهول.

الجميع، دون تردد، رفض النزوح من المنزل، باستثناء محمد (34 عامًا) وزوجته آلاء (28 عامًا)، اللذين قررا النزوح وحدهما.

يقول محمد، الذي كان يعمل بائعًا متجولًا: "قبل خروجي يا أختي، كنت أترجى والدي وإخوتي يطلعوا، لكن رفضوا كلهم، بس أنا لو مكان والدي بأخذ ذات القرار (...) وبدون تردد".

 

أمام هذه العبارة، تبيّن شيئًا كانت تخفيه تلك العائلة؛ إذ كان في المنزل أربع سيدات من ذوي الاحتياجات الخاصة. الأولى شقيقة العم صلاح، وتدعى بثينة (50 عامًا)، وثلاث شقيقات هن بنات العم صلاح: الكبرى نداء (32 عامًا)، وملك (30 عامًا)، والأخيرة خديجة (20 عامًا).

وهذا ما يفسر القرار المُحكم من العم صلاح بعدم الخروج من المنزل؛ فأربع نساء بالغات من ذوي الاحتياجات الخاصة يحتجن إلى فريق عمل كامل خلال عملية النزوح، فالنازح الذي يتمتع بكامل صحته العقلية والجسدية بالكاد يستطيع أن ينتشل نفسه ويوفر أدنى احتياجاته الشخصية خلال رحلة النزوح، كشربة ماء أو مأوى، علمًا أن أغلب النازحين في أسابيعهم الأولى افترشوا الأرض، وقاسوا برد الليل والخوف والحشرات.

بعد نزوح محمد وزوجته، توزعت عائلة الترامسي داخل المنزل على النحو الآتي: في الطابق الأول كان العم صلاح، ووالدته العجوز سعاد (80 عامًا)، والسيدات الأربع من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ شقيقته بثينة، وبناته الثلاث.

أما الطابق الثاني، فكان مقسمًا إلى شقتين، تسكن في كل شقة أسرة أحد أبناء العم صلاح. في الشقة الجنوبية كان الابن الأكبر جهاد (40 عامًا)، الذي كان يعمل في بقالة قبل الإبادة، برفقة زوجته هدى (38 عامًا).

ولدى جهاد وهدى ستة أبناء: عبد الله (15 عامًا)، لين (14 عامًا)، رفيف (11 عامًا)، أحمد (9 أعوام)، ريتال (5 أعوام)، وأخيرًا الصغيرة أسيل (عام ونصف).

وفي الشقة المقابلة كان يعيش شقيقه وليد (38 عامًا)، وزوجته مجدولين (37 عامًا)، وأطفالهما: يحيى (7 أعوام)، وصفاء (6 أعوام)، وخالد (5 أعوام)، وحور (3 أعوام).

أما الطابق الأخير، فكان يسكنه الابن الثالث للعم صلاح، عيسى (30 عامًا)، وزوجته سارة (30 عامًا)، وابنهما فضل (عامان ونصف)، وكانت سارة حاملًا.

وفي الشقة المقابلة، كان يسكن الابن الرابع موسى (28 عامًا)، وزوجته رولا (25 عامًا)، وابنتهما رهف (عام ونصف)، وكانت رولا حاملًا أيضًا.

محمد، النازح الوحيد من العائلة، كان يهاتف والده أو أحد أشقائه الأربعة كل يومين. ولم يكن الاتصال يتعدى 20 ثانية، بسبب شبه انعدام شبكة الاتصالات في مناطق غزة.

 

يقول محمد: "مع اشتداد القصف على الشمال، وخاصة في محيط بيت عائلتي، طول النهار أحاول أتصل على أبويا أو واحد من إخوتي، وبعد عشرات المحاولات يزبط الاتصال، ومرة يرد أبويا بصوت بالكاد أسمعه: (إحنا بخير يا محمد، بس الوضع صعب جدًا، ادعِ لنا...)".

بقي محمد على هذا الحال حتى الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حين انقطع الاتصال نهائيًا بالعائلة.

يكمل: "صباح ذلك اليوم، برن على جوالات إخوتي ووالدي، جميعها مغلقة. أول شعور إجا لي إنه نفدت بطاريات هواتفهم، وكنت مستبعد إنه يكونوا شهداء".

استمر الانقطاع التام عن العائلة منذ لحظة إغلاق الهواتف لمدة أربعة أيام. وفي اليوم الخامس، هاتفه أحد أقاربه من المنطقة، مخبرًا إياه بأن منزل عائلته قد قُصف بالكامل.

مرت الأيام ثقيلة على محمد، وما زال لديه أمل شحيح بأن عائلته لم تُشطب من السجل المدني. يستدرك: "ما عرفت أتقبل إنه عائلتي انشطبت، وكنت أحكي مع نفسي إنه لسه في أمل يكونوا عايشين".

ومع عودة الأهالي إلى شمال غزة في 27 يناير/كانون الثاني 2025، أي بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار بين المقاومة و"إسرائيل"، عاد محمد ليجد منزله وقد تحول إلى كومة من الركام.

ولأن لديه معرفة مسبقة بأن أفراد عائلته قد دُفنوا أحياء، لم يكن وقع الصدمة كبيرًا، فسريعًا بدأ يبحث بيديه العاريتين عن جثامينهم.

يقول محمد: "ما بعرف أي يوم هما استشهدوا فيه تحديدًا (...)، ولأنني خذلتهم ونزحت لوحدي، قطعت على نفسي عهدًا أن أبقى أبحث عن جثامينهم لدفنهم وتكريمهم، فهذا أقل ما يمكن أن أقدمه لهم".

في اليوم الأول فقط، انتشل ثماني جماجم ورفاتًا متناثرة. لم يجد أكياسًا مخصصة لحفظ الرفات، فوضع ما جمعه في كيس طحين فارغ امتلأ بعظام أفراد عائلته.

ويكمل عن مهمة البحث، في عبارة تحمل شيئًا من الغرابة: "يمكن تستغربوا لو أقلكم، إنه بيجوا لي في الحلم وبرشدوني لمكان تواجدهم تحت الركام، حاسس إنهم شايفيني وبحاولوا يساعدوني".

 

وبعد عشرة أيام، وخلال تنظيف منزل الجيران، عثر على جثمان والده صلاح كاملًا، وبجانبه وجد جثمان أحمد، ابن شقيقه جهاد، وقد تعرف إليه من ملابسه فقط.

وبعدها بيومين، عثر على جثمان شقيقه جهاد متحللًا بين الركام، وتمكن من التعرف إليه بالطريقة ذاتها.

لاحقًا، وجد جثمان جدته سعاد وعمته بثينة. وبعد شهر كامل من البحث المتواصل، وبينما كان يتمسك بأمل ضئيل في العثور على بقية أفراد عائلته، عثر على جثمان شقيقته ملك. كانت جثتها كاملة تقريبًا رغم مرور كل تلك المدة.

لكن رحلة البحث لم تنتهِ؛ فبعد عام وخمسة أشهر من القصف، وخلال أعمال التنظيف وإزالة الركام، عُثر على جثمان ريتال، الطفلة ذات الأعوام الخمسة، ابنة شقيقه جهاد.

حتى لحظة صياغة هذه القصة، ما زال محمد يبحث بين الركام عن بقية أفراد عائلته.

يختم محمد، وهو ينظر إلى أصابعه المتشققة من البحث عن الجثامين: "ما راح يجي لي نوم إلا لما أطلع خواتي من ذوي الاحتياجات الخاصة، اللي قتلتهم إسرائيل بدم بارد".

لم يسعفنا انهماك محمد في البحث عن الجثامين لمعرفة أطباع العائلة وصفات كل فرد فيها، وما كانوا يحلمون به وطموحاتهم، لكن يكفي لهذه القصة الأولية عن مذبحة عائلة الترامسي أن تخبر الجميع بأن الجيش الإسرائيلي قتل، في محيط مسجد التوبة، خلال الحملة العسكرية التي شنها في أكتوبر، أربع سيدات من ذوي الاحتياجات الخاصة.