خلال تفكيكي لعبارة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الملغومة، التي قال فيها "لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه". لم يكُ يقصد المقارنة بين أخلاق الجلاد والضحية؛ فهذا أمرا ساذجا إذا ما اعتبرنا أن عدوا أو جلادا مثل "إسرائيل" المجردة من أدنى مستوى من الأخلاق؛ إنما كان يدل الضحية على الطريق المختصر للنجاة والتفوق على نفسها وجلادها من خلال تمسكها بمنظومة القيم والأخلاق، و الأهم من كل ذلك تفعيلها وقت الحاجة والأزمة الجماعية.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، ما شهدناه من انهيار مجتمعي في بعض الملفات كان إفرازا طبيعيا ومتوقعا لحرب إبادة أكلت فيها الأخضر واليابس، استمرت لمدة ثلاث أعوام _ مازالت مستمرة _.
فظهور مليشيات، وارتفاع رقعة المتخابرين مع الاحتلال والمشاكل الأسرية وارتفاع نسب الطلاق والزواج المبكر، وحالات السرقة والقتل، والثأر بين العوائل، واحتكار ثلة التجار المدعوم بعضهم من ضباط الاحتلال، وأزمة السيولة والحوالات المالية، تجاوزا من الممكن اعتبارها أنها تقع ضمن الإفرازات الطبيعية لهذه الإبادة.
لكن ما كان صادما من تلك الإفرازات، هو جشع بعض الفلسطينيين الذين بقيت منازلهم صالحة للسكن، إذ حولوا جزءا من منازلهم لمشاريع استثمارية واستغلوا العوائل النازحة والمدمرة منازلهم، ورفعوا قيمة الإيجار لأسعار فلكية، أثقلت ظهر النازح المكسور.
للإشارة 80% من الوحدات السكنية والمباني في مختلف قطاع غزة تحولت لكومة من الركام.
دون التخفيف من العبارات، فضحت مذبحة أسعار "الإيجار"، القيمة الأخلاقية في مجتمع غزة، ومستوى الدون التي وصلت إليها بعض العوائل ومن بينها عوائل كانت تحسب نفسها علينا أنها عريقة ومأصلة.
من خلال استماعي لعشرات القصص من النازحين الذين اظطروا للإستئجار، والذي يستحضرني فيهم قول الشاعر الأموي - الكميت بن زيد الأسدي-:
"إذا لم تكن إلا الأسنّةُ مَركباً ...
فما حيلةُ المضطرِّ إلا ركوبُها"،
أنه لم يتوقف الأمر على تدفيعهم قيمة مالية شهرية مرتفعة وصل بعضها لألف دولار ثمن الغرفة الشبه صالحة للسكن، بل وصل أن يتدعى صاحب الملك على المستأجر لفظيا وأخلاقيا من خلال بسط سيطرته والتحكم في شؤون حياته.
بكل أدوات الجزم، لا يوجد أي مبرر لرفع قيمة الإيجار، بعيدا عن رؤية المحللين وخبراء الاقتصاد، إذ نطرح سؤالا : ما هي الأموال التشغيلية التي يدفعها شهريا صاحب الملك التي تجبره لرفع السعر؟! الإجابة طبعا.. لا شيء؛ ببساطة الأمر متعلق بالقيمة الأخلاقية ومستوى الجشع لصاحب الملك.
وما يجب الإشارة إليه، صاحب الملك المستغل، هو شخص ليس شابا صغيرا متهورا أو شخصا فاقدا للأهلية، إنما شخصا بالغ عاقل يدرك ما له وما عليه، ويعي جيدا كيف يدير عملية الاستغلال، ويفهم جيدا أن هذه الأعمال لا تمت بصلة للحد الأدنى من الأخلاق.
على ذلك، هذا ما كان يقصده إدوارد سعيد في التفوق الأخلاقي المشروط لانتصار الضحية على الجلاد؛ لذلك قبل أن نحمل المسؤولية لبلاد وشعوب الخارج بعدم وقوفهم بشكل جدي معنا طوال هذه الإبادة، يبقى السؤال المفتوح هل كان هناك تماسك مجتمعي حقيقي داخل غزة؟ هل كانت الجبهة المجتمعية الداخلية على قدر حجم ما تعرضنا إليه من محاولة لشطب هويتنا؟!
فيبدو من العار أن نستجدي بالأخرين، ونقع اللوم عليهم وننعتهم بالمتخاذلين، فيما نحن كنا قسا على بعضنا البعض ولم نرحم الضعيف والمضطر فينا؛ فالمتخاذل في المقام الأول هم نحن!، لذلك يا سادة وببساطة القول إن "عدونا في الداخل"، فانتصارنا على عدونا الخارجي يبدأ حين ننتصر على أنفسنا، ومحاسبة كل متخاذل وجشع، بالإضافة للتمسك بالقيم الأخلاقية لكل فرد أي كان موقعة ومكانته.
بعيدا عن حالة الاستياء الطافحة في هذه المقالة؛ ما زالت أومن أن هناك أملا حتى لو كان خافتا في تعديل المسار، ففي غزة هناك قامات وعقلاء ووجهاء أنقياء يتمتعون بقدر عالي من الحس الوطني والأخلاقي والإنساني قادرين على ذلك.
ومن منبر مجلة "مخيم" نوجه دعوة عاجلة لعقلاء الوطن بضرورة الإسراع للمضي قدما بخطوات جدية بتكثيف جلسات وبرامج وجولات اجتماعية تستهدف أصحاب شقق ومباني الملك لتوعيتهم وتحذريهم من هذا الخطر المجتمعي الأخلاقي.