غزة- صابرين العابد

هذ النص كتب من داخل خيمة لأم في بداية الثلاثينيات لديها أربعة أطفال وخامسهم رضيع؛ والأمر المهم أيضا أن كاتبة النص، منقطعة عن الكاتبة لأكثر من 12 عاما، لكن تجاهد نفسها وتحاول أن تكون صوتا لنفسها ولآلاف الأمهات اللاتي يتشابهن ويتقاطعن معها في ذات الحالة أو الواقع المرير.


انتظرت أن يُجن الليل؛ أنا صابرين.. سعيدة جدا أن بطارية هاتفي ممتئلة؛ اكتب لكم في ركن خيمتي وفي حضني رضيع كثير الحركة، فيما أطفالي الأربعة ملتفين حولي نائمين، الجانب الأيمن من جسدي، وتحديدا يدي وعيني مشغولين في طرد ومراقبة الحشرات عن أولادي، فيما أنا اكتب أنا هذا النص بعين واحدة وبيد واحدة؛ ما أتمناه أن تقرؤوا هذا النص دون الإمعان في ركاكته، كل ما أحاول فعله، إيصال صوتي وصوت من يشبهني.

 بما أن فصل الصيف قد دخل، أصابني ضيقٌ ثقيل وعصبية مستمرة بسبب ما ينتظرنا في حياة المخيمات. هذا هو الصيف الثالث لي ولعائلتي الصغيرة، وللكثير من أهل غزة ممن دُمّرت بيوتهم وعانوا مرارة النزوح، في الخيام التي كنا نعتبرها يومًا ما مجرد فسحة عائلية على شاطئ البحر، فإذا بها اليوم تصبح بيوتنا ومأوانا.


 قبل أن أخذكم في جولة يوم واحد داخل الخيمة في فصل الصيف، كان يجب أن أعطي لكم هذه التفصيلة الهامشية. أي كان نوع الخيمة، المصنوعة من الأقمشة الجاهزة أو المصنوعة من الشوادر، ليست سوى أفران خانقة، وربما أشدّ من ذلك، ناهيك عن الحشرات بأشكالها وأنواعها، بالإضافة إلى الزواحف والعقارب والأفاعي والفئران، لذلك ما ينتظرنا ليس ضيق في  النفس فحسب، بل التسلخات الجلدية، وتصبغات البشرة، ولدغات الحشرات، والتصاق الجسم حتى بعد الاستحمام.

 في التفاصيل عن هجوم الحشرات والقوارض.. تقريبا هي المعركة الرئيسية والدائمة للأم الفلسطينية المتواجدة في غزة منذ لحظة الاستيقاط في حال أن تمكنا من النوم من الأصل.

الذباب يملأ المكان معظم الوقت، والبعوض يتغذى على أجسادنا، عدا عن البراغيث التي جعلت من جلودنا وجلود أطفالنا مناظر مشوهة من كثرة اللدغات التي تؤدي إلى حكة مفرطة، تنتهي بخروج الدم وتقشر الجلد والتورمات. وهناك أيضًا حشرات أخرى لم يحصل لي الشرف بعد التعرف على أسمائها أو فصيلتها، تسبب ما يشبه التقرحات الجلدية والطفح الجلدي، وقد عانيت أنا وأبنائي منها، في فصول المنصرمة.

بعد ساعتين، من تلك المعركة ، أقف أنا وأطفالي بقالونات في طوابير لتعبئة المياه. فهو عذاب يومي لأجل توفير الحد الأدنى من احتياجات العائلة، مع ما يرافق ذلك من إنهاك وتعرض لضربات الشمس.

في موعد الظهيرة وحسب الجدول المتعارف عليه بثقافة غزة، يبدأ التجهيز لوجبة الغداء، فالطبخ وإشعال النار في الصيف يشبهان تمامًا رمي النفس في وادٍ جهنمي. فما إن تنتهي الأم من إعداد الطعام، حتى تجد نفسها منهكة تمامًا، بعينين جافتين ووجهٍ متعب وملابس يغطيها السواد والدخان.

تلميحة سريعة، الأطفال طوال اليوم ذابلون، يسيطر عليهم الهزال وشعور الغثيان، والعرق يتصبب منهم بينما تبدو أجسادهم جافة ومحروقة من شدة الحر.

وحين يأتي الليل، الأم في الخيمة كما وصفت لكم سابقا، تجلس بين أطفالها تحاول خلق تيار هوائي بطبق بلاستيكي لتخفف الحر عن أجساد أطفالها وطرد الحشرات المرئية وغير مرئية، فيما تركزوتراقب حركة القوارض التي قد تلدغ أحد الأطفال بأي لحظة.

 هذا الجدول اليومي مع قدوم الصيف قد يكون نزهة مقارنة حين يدخل فصل الصيف في شهر أغسطس، أي بشهره الأخير، أي حين يصل إلى الذروة. وهنا تتحول فيه الخيمة إلى فرن ملتهب مع انعدام الهواء. وفي بعض الأيام، تجعلنا الهبات الساخنة كالمغمى علينا من شدة التعب والهزال، وأحيانًا من الإعياء الشديد.

الأطفال الصغار والرضع يقضون الصيف ببكاء متواصل، لأنهم عاجزون عن التعبير عمّا يشعرون به.

فهذه الأجواء تحتاج إلى ماء بارد باستمرار للتخفيف عن الأجساد، سواء للشرب أو الاستحمام، وهذا أمر ليس متوفرًا بسهولة، بل يحتاج إلى مال لشرائه أو لتبريده في نقاط الشحن والتبريد مقابل ثمن مالي.

أعلم أنني، صدرت طاقة سلبية لكل أم نازحة في خيمة قد تقرأ هذه المقالة، لكن من باب الدفعة الإيجابية سأشاركم الخطوات الإستباقية الوقائية التي جهزتها مع أطفالها وزوجي لمواجهة الصيف والخيمة.

من بين تلك الخطوات، قبل أسبوع تقريبا، بعد ما انتهيت من الجزء الأول من كتابة هذه المقالة، عقدت اجتماعا مصغرا مع أطفالي، وأشعرت كل واحد منهم بالمسؤولية اتجاه ما نعيشه، واتفقنا جميعا على رفع مستوى النظافة داخل وخارج الخيمة. وأصبحنا كل ساعتين تقريبا نقوم جميعا بحملة نظافة جماعية.

 صحيح أنه مجهود جسدي خاصة على صغاري، لكن رفع المستوى النظافة قلل من اجتياح الحشرات لخيمتنا، كذلك طلبت من زوجي إحاطة الخيمة بأحواض النعناع والريحان وبعضا من الورد، وعود طويل من شجرة العنب، التي بدأت أوراقها تكبر.

كذلك، اشتريت كمية ليست بالقليلة من المراهم ومساحيق وترطيب البشرة، للتعامل مع تسلخات الجلد، إذ أرطب وامسح أجساد أبنائي مرة عند النوم وأخرى عند الاستيقاظ، كذلك اشتريت كمية منوعة مع معطرات جو ومساحيق تعقيم، وحصلت بعضها على مساعدة من إحدى المؤسسات الإغاثية.

كما وفرت "ناموسية" ننام جميعا بداخلها عند النوم، في الحقيقة قللت من هجمات الباعوض علينا خلال النوم.

وإحدى الخطوات المهمة، هوأنني لا أترك " الجليِ" إذ أنظف الأواني وأدوات الطبخ وقت انتهاء وجبة الطعام، وأترك كل شيء نظيفا ومعقما، كذلك لدورة المياه التي بجانب الخيمة، أعقمها على مدار اليوم ونحكم إغلاق الباب الخشبي جيدا.

أما في الجانب المعنوي والنفسي، رتبت جدولا لألعاب جماعية مع أطفالي وأغلبها ألعاب ذهنية لمحاولة، طرد التذمر عنهم وحالة الضيق التي تتناوب عليهم على فترات خاصة وقت ساعات الظهيرة؛ أما عند الليل حملت على هاتفي قصصا مرئية ومكتوبة تحث على الصبر والتحمل وتعزيز الإرادة، فبعد مشاهدتها أو قرأتي لإحدى القصص نبدأ بمناقشتها معا.

 أعلم أن هذه الخطوات جميعها مؤقتة وقد لا ينجح بعضها وقد ينعتني أحدكم بالأم الساذجة، لكن كل ما أيقنه أن أيضا مكوثي في الخيمة هو مؤقت أيضا، وربما في يوما قد يكون لي منزلا احتمي فيه مع أطفالي وزوجي عوضا عن منزلي الذي دمر.