مراسلتنا – مها إبراهيم
كثيرة هي الندوب التي خلّفتها حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، فلم تقتصر آثارها على الدمار المادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي والحياة اليومية؛ إذ تبدّل كل شيء، وأصبح كثيرون يجدون صعوبة في تقبل حياتهم الجديدة وذواتهم بعد الحرب.
لكن مهلًا؛ بين الخيام والبيوت التي لا تزال قائمة، تختبئ حكايات أكثر تعقيدًا، يعيشها أصحابها وتنعكس آثارها على الأسرة بأكملها. ومن بين هذه الحكايات، معاناة مبتوري الأطراف الذين تغيّرت حياتهم جذريًا؛ فمنهم الزوج الذي ترفضه زوجته بعد إصابته، ومنهن الزوجة التي تتعرض للعنف أو النبذ أو الطلاق، أو يتزوج عليها زوجها بسبب إصابة أفقدتها أحد أطرافها دون ذنب اقترفته.
في المقابل، هناك أزواج وزوجات من مبتوري الأطراف استطاعوا التكيف مع واقعهم الجديد ومواصلة حياتهم معًا.
في هذا التقرير، نستمع إلى قصص من خلف جدران الخيام المهترئة، ونقترب من قضية شائكة يعيشها مبتورو الأطراف، لنكشف جانبًا آخر من الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلّفتها الحرب.
تركته زوجته بعد بتر ساقيه
في سبتمبر/أيلول 2025، توجه مهند صالح (34 عامًا) إلى إحدى التكايا في مخيم النصيرات للحصول على وجبة طعام، لكن صاروخًا سقط بالقرب منه، ما أدى إلى بتر ساقيه وإصابته بجروح بالغة.
أمضى مهند شهرًا كاملًا في غيبوبة داخل مستشفى شهداء الأقصى، وعندما استعاد وعيه كانت الصدمة الكبرى في انتظاره؛ فقد علم أن ساقيه بُترتا.
حاولت عائلته التخفيف من وقع الصدمة وتقديم الدعم النفسي له، إلا أن ما تعرض له من زوجته كان، بحسب قوله، أشد قسوة من الإصابة نفسها.
يقول لمجلة "المخيم" إنه لم يتخيل يومًا أن تنهي زوجته علاقتهما بسبب إعاقته، رغم أنه لا يزال قادرًا على الحركة باستخدام كرسي متحرك، ويأمل في تركيب أطراف صناعية مستقبلًا.
ورغم إصابته، لم يستسلم مهند للواقع، إذ يعمل اليوم على بسطة لبيع الملابس المستعملة لإعالة نفسه وطفله.
ويؤكد أن الانفصال عن زوجته ترك جرحًا نفسيًا أعمق من فقدان ساقيه، مضيفًا: "ما زلت أشعر أنني لم أرتكب ذنبًا يستحق أن تُهدم حياتي بسببه".
ويشير إلى أنه بات يفكر في الارتباط بفتاة من مبتوري الأطراف، حتى لا يواجه نظرات الشفقة أو الوصمة الاجتماعية، أو يُعايَر بإصابته مرة أخرى.
ولا تقتصر معاناة مبتوري الأطراف على الرجال، بل تبدو أكثر قسوة بالنسبة للنساء، اللواتي يواجهن، إلى جانب الإصابة، أشكالًا مختلفة من العنف والنبذ داخل أسرهن ومحيطهن الاجتماعي.
من بين شقوق خيمتها المهترئة، لا تسمع هنادي (42 عامًا) سوى الإهانات التي يوجهها إليها زوجها ليلًا ونهارًا.
فمنذ أن فقدت يدها، بات ينعتها بأوصاف جارحة مثل: "مشوهة"، و"أم إيد مقطوعة"، و"معاقة"، وغيرها من العبارات التي تركت جروحًا نفسية لا تقل ألمًا عن الإصابة نفسها.
ورغم أن زوجها لا يعمل، فإنها تتحمل مسؤولية إعالة الأسرة منذ اندلاع الحرب؛ فتتنقل بين التكايا، وتقف في طوابير المياه، وتطرق أبواب المؤسسات الإغاثية، ثم تعود لتطهو ما يتوفر من طعام على الحطب.
وتروي هنادي لمجلة "المخيم" أن إصابتها وقعت في إحدى ليالي صيف عام 2024، عندما سقط قصف بالقرب من مخيم اليرموك، فأصابت شظية خيمتها وتسببت في بتر يدها.
وحاول الأطباء إنقاذها، إلا أن تدهور حالتها، إلى جانب النقص الحاد في الإمكانات الطبية شمال قطاع غزة، حال دون ذلك.
وتقول إنها رفضت طلب الطلاق، ووافقت على زواج زوجها من امرأة أخرى، خشية أن تخسر أبناءها، وتضيف: "كان أصعب ما مررت به شعوري بأن أولادي أصبحوا ينظرون إلى يدي المبتورة بنفور، بعدما تأثروا بتصرفات والدهم وكلامه".
وتتابع بعبارات مخنوقة: "لا ذنب لي فيما أصابني، فأنا كغيري من ضحايا هذه الحرب... وافقت على زواج زوجي فقط لأتخلص من شتائمه وإهانته المستمرة، لكن اليوم هو وزوجته الجديدة يواصلان التقليل مني ومعايرتي".
ورغم كل ما مرت به، تؤكد هنادي أنها أصبحت أكثر قوة وصلابة، ولم تعد تكترث للإساءات التي تتعرض لها، قائلة: "كل ما يهمني اليوم هو حماية أطفالي واحتضانهم، أما زوجي فقد هجرني، كما هُجرت كثيرات من النساء اللواتي يعشن ظروفًا مشابهة لظروفي".
تقبل البتر.. استقرار!
حالات البتر الناتجة عن الحرب لا تقتصر آثارها على الإصابة الجسدية، بل تمتد لتحدث صدمة نفسية عميقة للمصاب وشريكه والأسرة المحيطة به، ما يجعل الدعم النفسي المبكر ضرورة لا غنى عنها، كما تقول الاختصاصية النفسية سيرين العبسي.
وأكدت العبسي أن الشخص المبتور يمر غالبًا بمراحل نفسية معقدة تبدأ بالصدمة والإنكار والغضب والاستياء، وصولًا إلى تشوه صورة الجسد والشعور بعدم تقبل الذات، وهو ما يستدعي توفير علاج نفسي متخصص يساعده على تجاوز هذه المرحلة والتصالح مع جسده.
وأضافت أن نجاح العلاقة الزوجية بعد البتر يبدأ من تقبل المصاب لإصابته، موضحة أن "الشخص الذي لا يستطيع تقبل نفسه سيكون من الصعب عليه توقع تقبل شريكه له".
وأشارت إلى أن دور الشريك في هذه المرحلة يتمثل في تقديم الدعم النفسي والعاطفي، إلى جانب منح المصاب الوقت الكافي للتكيف مع واقعه الجديد.
وأوضحت أن مدى تأثر العلاقة الزوجية بالإصابة يرتبط أيضًا بطبيعة العلاقة قبل وقوعها؛ فإذا كانت العلاقة قائمة على التفاهم والاحترام، فإن فرص تجاوز الأزمة تكون أكبر، أما إذا كانت تعاني مشكلات سابقة، فقد تزيد الإصابة من تعقيدها.
ولفتت العبسي إلى أن شخصية كل من الزوجين تلعب دورًا مهمًا في كيفية التعامل مع الأزمة، فهناك من يمتلك مرونة نفسية وقدرة على التكيف، بينما يجد آخرون صعوبة في مواجهة الضغوط والتغيرات المفاجئة.
وأكدت أن الشريك بدوره يحتاج إلى مساحة للتعبير عن مشاعره والحصول على الدعم النفسي، باعتباره متأثرًا بالأزمة أيضًا، مشيرة إلى أن من حقه أن يأخذ الوقت الكافي للتكيف مع الواقع الجديد، بل وقد يحتاج إلى مجموعات دعم متخصصة تساعده على تجاوز المرحلة.
وأضافت أن استمرار العلاقة أو إنهاءها يبقى قرارًا شخصيًا للطرفين إذا استنفدا وسائل العلاج والدعم، إلا أن ذلك لا يبرر، بأي حال من الأحوال، ممارسة أي شكل من أشكال الإساءة اللفظية أو النفسية أو الجسدية تجاه الشخص المبتور.
وفي سياق متصل، شددت العبسي على أهمية دور المجتمع في تشكيل نظرة المصاب إلى نفسه، محذرة من العبارات التي تحمل الشفقة أو التشكيك في قدرته على الاستمرار في حياته الزوجية؛ لأنها تعمق مشاعر النقص وتزيد من معاناته النفسية.
وأشارت إلى أن قطاع غزة، في ظل الحرب، يشهد ارتفاعًا كبيرًا في أعداد حالات البتر، الأمر الذي يستوجب إنشاء مجموعات دعم نفسي للمبتورين وأسرهم، بما يساعدهم على تقبل إصاباتهم، واستعادة ثقتهم بأنفسهم، وتعزيز قدرتهم على الاندماج في المجتمع.
وختمت العبسي بالتأكيد أن العلاج النفسي في مثل هذه الحالات يركز على تغيير الأفكار السلبية لدى المصاب وشريكه، وإعادة بناء نظرتهما لأنفسهما وللعلاقة الزوجية، بما يعزز فرص التكيف واستمرار الحياة بصورة صحية بعد الإصابة.
البتر... ليس نهاية العلاقة
في مقابل قصص الرفض والنبذ، ثمة حكايات تثبت أن البتر لم يكن نهاية للحياة أو للعلاقات الإنسانية، بل بداية لشراكة قائمة على التفهم والدعم، كما حدث مع أحمد ومريم.
كلاهما في أواخر العشرينيات من عمره؛ مريم تعمل سكرتيرة في عيادة طبية للأسنان، وأحمد يعمل في محل لبيع الأدوات المنزلية. جمعتهما الصدفة في إحدى جلسات العلاج الطبيعي، حيث كان كل منهما ينتظر دوره لتلقي العلاج.
أحمد فقد إحدى ساقيه إثر قصف استهدف محيطه أثناء عودته من الخيمة التعليمية في دير البلح إلى خيمته، ونجا بأعجوبة من الموت.
أما مريم، فأصيبت بشظايا خلال قصف منزل عائلتها في حي الدرج بمدينة غزة، وبقيت تحت الأنقاض قبل إنقاذها، إلا أنها فقدت أحد أصابع يدها، واضطرت إلى الخضوع لجلسات علاج طبيعي.
وتقول مريم إن كثيرًا ممن تقدموا لخطبتها كانوا يتراجعون فور ملاحظتهم إصابة يدها، رغم أنها لم تكن ترى في ذلك ما ينتقص من شخصها.
أما أحمد، فيروي أنه تقدم لخطبة عدد من الفتيات، لكنهن رفضنه بسبب بتر ساقه، وكأن الإصابة كانت خيارًا شخصيًا أو ذنبًا ارتكبه. لذلك، لم يتردد في التقدم لخطبة مريم، مؤمنًا بأن من عاشت تجربة مشابهة ستكون أكثر قدرة على تفهم معاناته ودعمه.
قبل عام، تكللت قصتهما بالزواج، واليوم يحتضنان طفلتهما الأولى "تولين". وفي خيمة النزوح، يتقاسمان أعباء الحياة اليومية؛ فتساعد مريم زوجها في نقل جالونات المياه وإنجاز الأعمال الشاقة، بينما يواصل أحمد عمله ويدخر ما يستطيع من المال، على أمل السفر إلى الخارج لتلقي العلاج التجميلي وتركيب أطراف وأجهزة تساعدهما على استعادة جزء من حياتهما الطبيعية.