حمزة أبو الطرابيش
_
كاتب صحافي
قبل فترة قصيرة، تعرضت لوعكة صحية بالكاد كنت أستطيع معها الحركة، ولازمت الفراش قرابة أسبوعين. تقريبًا كنت عبارة عن جثة حية، وعلى إثر ذلك كانت زوجتي تقوم بجميع المهام الأسرية، من الاهتمام بالأطفال والمنزل، وحتى الرعاية الدائمة لي طوال تلك المدة.
في الأيام الأخيرة قبل التعافي، بدأت أشعر بتذمر زوجتي من ذلك الحال، ما سبب لي إزعاجًا بيني وبين نفسي؛ فمن الطبيعي أن تزداد حساسية المريض أو الجريح تجاه تعامل الآخرين معه. لكنني طردت ذلك الإزعاج سريعًا حين استدركت حجم الضغوط التي تحملتها زوجتي.
على الرغم من أن كل شيء كان متوفرًا لدي، من مسكن جيد، ومتطلبات حياة في متناول اليد، وتوفر جميع الأدوية اللازمة، ووجود شخص قائم على رعايتي على مدار الوقت، إلا أن ذلك لم يمنع التذمر من الاقتحام. فتساءلت، أو ربما تخيلت نفسي: ماذا لو حصل هذا معي وأنا داخل خيمة في قطاع غزة؟ وما طبيعة الضغط النفسي والجسدي الذي كنت سأعيشه أنا وزوجتي لو كان أحدنا جريحًا، في ظل نقص الأدوية، والتدمير شبه الكامل للنقاط والمراكز الطبية، وظروف العيش المأساوية في توفير أدنى متطلبات الحياة، كالوقوف لساعات في طوابير المياه؟
أدركت حينها أن الإنسان الفلسطيني في غزة يعيش حربًا دائمة طوال يومه، وأن هناك تفاصيل لا يمكن أن تجد لها كلمات تصفها، خاصة للعائلة التي لديها جريح أو مصاب.
وفي إحصائية، من خلال تتبع التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات ووزارة الصحة، تبين أن كل ثلاث عائلات في غزة، على الأقل، لديها جريح واحد، بمعدل يقارب ربع مليون جريح، منهم 50 ألفًا بحاجة إلى إعادة تأهيل طويلة الأمد، و10 آلاف طفل مصابون بإعاقة دائمة.
كما أظهرت تلك التقارير أن الإصابات التي غيّرت حياة أصحابها بشكل دائم تجاوزت 43 ألف إصابة، أي ما يقارب ربع إجمالي الجرحى، مع الإشارة إلى أنه لا توجد في غزة حاليًا أي منشأة متخصصة في التأهيل تعمل بكامل طاقتها، مع وجود مئات المرضى على قوائم الانتظار.
أمام هذه الأرقام، وما تعرضت إليه من موجة شديدة من الإعياء، وتتبعي لواقع العيش في غزة، لم أنصدم كثيرًا من الحالات التي رصدتها الزميلة مها إبراهيم حول واقع الجرحى المبتورين، وكيفية تعامل عائلاتهم معهم، وخاصة حالات الطلاق التي وقعت بينهم، والاعتداءات اللفظية التي يتعرض لها بعض المبتورين أو الجرحى من ذويهم؛ لكن هذا لا يعني أن الأمر صحي أو متوقع، ولا يمكن القبول به بأي حال من الأحوال.
فمن خلال العبارات التي نرددها دومًا حول تعزيز منظومة القيم والأخلاق كخطوة أولى للنجاة الجماعية وسط حرب الإبادة وانعكاساتها، يجب التنويه إلى أن هناك مهام فردية وجماعية ينبغي القيام بها، خاصة في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الأجهزة الطبية، والأدوية، والمستلزمات الصحية الضرورية.
فمثلًا، كل فرد أو مسؤول أسرة لديه جريح، على اختلاف جنسه أو عمره، يجب أن يتقبل هذا الأمر ويصبر عليه، وألا يجد حجة أو مبررًا للتعامل مع الجريح بتذمر أو عدوانية لفظية؛ فالرحمة هنا يجب أن تكون مضاعفة. ونعلم أن هذا الأمر يتطلب مجهودًا نفسيًا وجسديًا ضخمًا، لكن لا حل سوى التقبل، فلا مناص من ذلك.
أما النصيحة الثانية لكل من يرعى جريحًا، فلا أطلب منك ألا تتذمر، فالتذمر أمر صحي ومتوقع، لكن حاول أن تخفيه عن الجريح أو المصاب الذي ترعاه، حرصًا على سلامته النفسية؛ فمن المعروف أن التعزيز النفسي للجريح أو المصاب هو أولى خطوات تسريع العلاج.
أما من ناحية المسؤولية الجماعية والمؤسساتية، فهي دعوة إلى المراكز والمؤسسات الإنسانية والإغاثية لضرورة إعداد برامج توعوية وتثقيفية حول كيفية التعامل مع الجرحى، وخاصة مبتوري الأطراف، من خلال جلسات مكثفة مع عائلاتهم، أو عبر توزيع كتيبات مطبوعة تتضمن إرشادات واضحة للتعامل معهم.
ختامًا، لا يوجد دليل ثابت ومفصل لفقه التعامل مع الجريح أو المصاب، لكن من بديهيات هذا الأمر التعامل مع الجريح بالصبر والرحمة، مع وضع ثلاثة خطوط حمراء تحت الكلمة الأخيرة.