يسري الغول

كاتب وروائي


جاءت حرب الإبادة على غزة، لتدمر كل شيء، بدءًا من اللحم المشوي بفعل الصواريخ، وصولًا إلى البيوت التي صارت لوحة من ركام، وبينهما يتم استهداف البنية التحتية، لتصبح غزة مرتعًا للخراب.

ومع كل صور الدم النازف والجدران المنهارة، ومع تدمير القطاعات جميعها، وعلى رأسها قطاع الصحة والتعليم، تظل بعض اللقطات غائبة عن عين الكاميرا، نظرًا لدقتها وبعد المسافة في الوصول إليها، إذ لا يمكن لغير الفلسطيني المحاصر في غزة، والذي تعرض لكل أنواع الاضطهاد، وتحمل مرارة النزوح كثيرًا إلا أن يعرف معنى الانهيار النفسي للمواطن، وليس الجسدي فقط.

فتخيل معي يا رعاك الله، أن تضطر فتاة أو امرأة لدخول الحمام أثناء النزوح القسري إلى وسط أو جنوب القطاع، ولا حمامات أو حتى جدران تستر الأنثى التي تخجل من نسمة الهواء، ماذا بإمكانها أن تفعل؟ وأين تذهب؟ تخيل الحالة النفسية للمرأة أو الفتاة حين ينتهك خصوصيتها بفعل النزوح والتهجير؟

ماذا بإمكان شاب تزوج حديثًا أن يفعل أمام عروسته، مشحبرة بملابس الصلاة، لشدة دخان البلاستيك الذي يتغلغل في الرئتين عندما تطهي من خلاله العروس الطعام، إذ لا يوجد غاز طهي أو حطب أو ما يحزنون.

كيف لطفل فقد والديه أن يفعل في هذا العراء الممتد إلى آخر الدنيا؟ كيف يجلب الطعام؟ وكيف يحصل على الماء؟ وأين ينام؟


ومن خلال كل ما سبق، سيأتي السؤال الكبير: المسؤولية تقع على كاهل من؟ خصوصًا مع عدم وجود سلطة رسمية تدير دفة البلاد، ومع محاربة ومهاجمة جميع المؤسسات الدولية، من الذي يستطيع دفع تكاليف حياة باهظة ثمنها العمر؟ وما بأحداث النابلسي والكويتي عنا ببعيد.. كيف يجلب الجار أو القريب الماء أو الطعام، بينما تقف الشاحنات الملوثة تحت صهد الشمس، لتمنح النازحين بعض رشفات ذل، كي يعيشوا بعض حياة.


كيف للرجل أن يوفر الطعام أمام تكيات الذل؟ كيف يطارد الأسعار التي صارت أغلى من المالديف؟ من أين يتم توفير البضائع أو الخضروات أصلًا؟ ثم بعد كل هذا ننسى أن هناك نسيج اجتماعي يتفسخ، الثقة تنعدم بين رب الأسرة والأبناء، بين الزوج والزوجة، بين الإخوة حين يخبئ أحدهما بضع لقيمات لأطفاله وأخيه يتلظى من الجوع، والجيران عيونهم معلقة في كيس الطعام أو الطرد الغذائي، مشاجرات بلا سبب، هذا يقول إنه لا يحصل على طرود كتلك التي يأخذها الأخ أو الجار، وهذا يحسد ذاك، وذاك يشتم الآخرين الذين لا يتقون الله في الشعب، ملاحم بلا بطولة، وصراعات على رغيف خبز، والمجتمع يتهاوى والناس تسقط لشدة الجوع والأطفال يموتون من البرد، وآخرين يموتون بالأمراض بعد أن نهشت لحومهم الجرذان.


مدينة باتت بلا وجه، إذ صارت كالفحم، والقلوب تغلي وتغلي، دون موقف حقيقي ورسمي من مؤسسات حقوق الإنسان والحكومات العالمية. وبين كل هذا يسقط الإنسان الفلسطيني في فخ التيه والضياع.


لكن أمام كل هذا التيه، وبعد الفقدان الثقة بالأسرة والمجتمع وصناع القرار، في محاولة العودة إلى المسار الصحيح، أعتقد أن ما هو مطلوب، هو أن يؤدي كل شخص فينا _ من صغيرنا لـ كبيرنا _ دوره بإخلاص حقيقي دون تتبع النتيجة، ودون انتظار أحد، فخلاص المجتمعات من صلاح الفرد.