لا يمكن لأحد أن يتصور حجم ما تعرض له أهالي قطاع غزة، طوال فترة الإبادة التي امتدت قرابة ثلاثة أعوام، إذ عاشوا فصولا من القتل الجماعي والنزوح والتشريد، وأشهر طويلة من المجاعة وصلت إلى أن يأكلوا أعلاف الحيوانات.

أكثر الأشخاص، قهرا وإرهاقا طوال تلك الفترة وانعكاساتها وقت صياغة هذه النص، هم أرباب الأسر من كلا الجنسيين، مع الأخذ بالاعتبار أن بنسبة 80% من عوائل القطاع أصبحت الخيمة منزلها المؤقت، بعد تدمير الاحتلال الصهيوني قرابة 93% من منازل السكان في غزة بشكل كلي.

أمام هذا الواقع، ظهرت تحديات أمام المواطن في غزة، اتجاه أسرته في المقام الأول، إذ طفت على السطح مشاكل أسرية بشكل متزايد، من خلال تبدل الأدوار وغياب دور المسؤولية وارتفاع نسب الطلاق ونسبة الزواج المبكر، كذلك صعوبة الحصول على لقمة العيش وانقطاع ألاف مصادر الرزق وتحديدا لأباء الأسر، الأمر الذي أدى إلى تفكك الأسرة تدريجيا.

لا يمكن القول إن حال واقع الأسرة بغزة قد أصبح تفككها ظاهرة اجتماعية، مع أخذ الاعتبار أن انعكاسات الإبادة أو الحرب الطويلة والتي استهدفت المدنيين بشكل رئيسي، كان متوقعا أن الضحية الأولى لها هي الأسرة.

لكن لأن الشيء بالشيء يذكر، وأمام توسع بقعة التفكك الاجتماعي التي بات يتلمسها الشارع في غزة، والتي ومن الممكن أن تزداد مع مرور الأيام وتصبح ظاهرة، لا يمكن أن نبقى في دائرة الأسباب والمبررات فيما نستأصل فكرة البحث عن أدوات ترميم الأسرة الفلسطينية بغزة.

بلا شك إن التسريع من عملية الإعمار، وإدخال على الأقل كرفانات أو منازل خشبية مؤقتة، مع البحث عن استراتيجية طارئة لرفع مستوى المعيشي من خلال فتح خط تجاري بين قطاع غزة ومصر، وتكثيف من شاحنات المساعدات، وتركيز المؤسسات المجتمعية والإنسانية على الأولويات ومتطلبات الحياة بدلا من التمسك بهوامش الملفات، قد يحد نوعا ما من انهيار الأسرة بغزة، لكن هذه عناصر مادية لا تكفي للنهوض بشكل حقيقي أو على الأقل النجاة بالأسرة قبل وقوعها في وحل الانهيار المجتمعي.

لذلك، يلزم بجانب المقومات المادية التي ذكرنا جزء منها ، أن يسبقها تعزيز منظومة القيم والأخلاق والوعي لكل فرد مسؤول. ففي سياق ما، عدونا الأول قبل أي شيء هو أنفسنا، فتطهيرنا وترميمنا من الداخل هو المطلب الرئيسي، وهنا، أول عتبات تعزيز تلك المنظومة هي أن يعرف كل فرد مدرك دوره الحقيقي، وأن يتقنه بإيمان حقيقي، إيمان بنفسه وبالأرض وبالله عز وجل.

في التفاصيل، وجب أن ننظر للقدر والرزق على أنها شيئان لا علاقة لنا بهما، هما من عند الرحيم الرزاق، ولو سأل الواحد فينا نفسه سؤالاً: كيف يقلق على شيء ليس يملكه؟!

(ليس لك من الأمر شيء)، هذه قيلت لأحب الخلق على الله تعالى، قيلت للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي تنبيه له ولأمته معناه: يا محمد لا تتدخل في الأقدار، فقط اعبد الله كما أمر والمستقبل يقدره رب الأقدار.

 والأمر الأخر، أمر صحي أن منغصات الحياة لا تنتهي، والحياة بدون ضنك لا تستمر، ولو فهم الإنسان أنه ينبغي عليه أن ينهض بعد عوارض الحياة ومنغصاتها لن يتعب كثيراً، وهذه رسالة للأزواج، الابتعاد عن تصيد أخطاء الشريك والتجاوز بقدر المستطاع والنظر إلى الجانب الإيجابي من الشريك.

فيما نصيحة خاصة للعوائل المرموقة في غزة والتي بلا شك كانت من ضحايا هذه الإبادة، من الجميل أن تقتنع تلك الأسر بالبساطة التي تعتبر حلاً سحرياً لأي ظروف.

إذ قال رسول الله في حديثه (من أصبح منكم اليوم آمناً في سربه معافاً في بدنه عنده قوت يومه فقد حيزت له الدني).

وعطفا على ذلك، واستندا لقوله تعالى: (لا تمدن عينيك).أي لا تنظر لغيرك، هذا عنده كذا وهذا يفعل كذا، وهذه اشترت كذا؛ بل انظر لنعمة الله بين يديك ولا تكفرها ولئن شكرتم لأزيدنكم.

في الخلاصة، كاتب هذا النص من قطاع غزة، يعيش ما تعيشون من كد وقهر، وليس منفصلا عن واقعه، كل ما يفعله يحاول أن يطبق ما كتبه لكم، لأنه يرى من منظوره الشخصي البسيط أن ما ذكره سلفا جزء من طوق النجاة للأسرة بغزة.