مها إبراهيم


مرحبا يا عم.. نحن مجلة "المخيم" التي أعدّت وجباتها السريعة خصيصًا لك ، وأنت تجلس أمام خيمتك، لنحكي لك عن هموم النازحين من حولك، وأيضًا لنحكي عنك وما تعانيه بعد الإبادة الجماعية التي دمرت بيتك وجعلتك تتذوق الفقد لا الزاد، وتعاني الجوع ونقص الدواء.


في كثير من الأحيان، ندرك جيدًا أنك تعاني وتكتم العبارات التي تكاد أن تخنقك، وتحاول العودة إلى بيتك، لكن لا ملامح للمنطقة، أو لا يزال منزلك الذي بنيته بتعبك وعرق جبينك داخل الخط الأصفر.


بالقرب شارع الجلاء، يسكن الحاج ومربي الأجيال - معلم متقاعد-" أبو صابر" فهو منذ الابادة الجماعية لم ينزح وبقي مع ابنه الوحيد، كونهم رفضوا النزوح خاصة وأنه يعاني من أمراض مزمنة جعلت ظروف الحرب والنزوح أكثر قسوة عليه.


طوال فترة الحرب كان يشعر بالحرج من زوجة ابنه وعائلته، ويشعر بأنه أصبح عبئًا عليهم ، خاصة عندما كان يضطر ابنه إلى البحث عن أكياس الطحين والمساعدات، وكان الحاج ينزل يوميًا للوقوف في طوابير التكايا، ويصر على تعبئة "خزان" الماء بنفسه.

لم يكن مربي الاجيال "أبو صابر" يسمع الأخبار فقط، بل كان يعيشها بكل تفاصيلها؛ من الحصار والاجتياح إلى الخوف المستمر.

يقول وهو يجلس أمام ما تبقى من منزله : "كنت أشعر بالخوف مثل الأطفال، وكنت أخشى على نفسي أن أموت من الجوع، كما جرى مع كبار السن من مثلي".

يستذكر إحدى المرات التي اقتربت فيها الدبابات من منطقتهم في حي الصفطاوي شمال مدينة غزة وتم محاصرة المنطقة وقتها طلب جنود الاحتلال عبر مكبرات الصوت من الشباب النزول إلى الشارع.

نزل ابنه وأحفاده الشباب، وطلبوا منه البقاء مع الفتيات، لكنه شعر حينها بحرج كبير، وانتابه شعور بالعجز، فأخذ يبكي كثيرًا، ويعلق : "ما في أصعب يا بنتي من إنك تعلمي أولادك الصبر وبالأخير يشوفوك عاجز عن حمايتهم وعدم مقدرتك توفير أبسط الاحتياجات".

ويضيف وهو يهز بعكازه الخشبي المهترئ: "هذه الحرب انهكتنا وسلبت انسانيتنا (..) كنت أتوجع جسديا لكني اخجل من الذهاب الى المراكز الطبية فأعرف الرد ( في مين بحاجة للعلاج أكثر منك)، فتحملت الألم كثيرا ، وأحمد الله على نجاتي".

اليوم؛ يعيش العم أبو صابر حرب صامتة، فبجانب أنه يعيش في خيمة في ظروف مأساوية صعبة، خاصة في ظل ارتفاع درجة الحرارة وهجوم الحشرات.. الخ، هناك نقص حاد في الأدوية التي يحتاجها، يختم المُسن: "بالنسبة إلي الحرب ما خلصت، انا كل يوم في حرب، بحثا عن أدويتي، أنا بحاجة للدواء بشكل يومي، أصبحت أتلقى الأدوية والعلاج مرة كل أسبوع وأحيانا بقعد أسبوعين دون حبة دواء، لهيك أنا بموت ببطء وبصمت".

في تقرير أصدرته وزارة التنمية الاجتماعي في في اليوم العالمي لمناهضة الإساءة لكبار السن في يونيو 2026 ، فإن شريحة كبار السن ُتشكّل حضوراً ديموغرافياً لافتاً؛ إذ يبلغ عددهم في قطاع غزة نحو108,000،إذ يعاني أكثر من 70% منهم من أمراض مزمنة، فيما يحتاج 80% منهم بشكل عاجل إلى أدوية وتجهيزات طبية يصعب الوصول إليها بسبب انهيار المنظومة الصحية.

 كما يعاني 48% من كبار السن في فلسطين من صعوبة وظيفية واحدة على الأقل، وسُجلت أكثر من 42 ألف إعاقة جديدة في غزة منذ بدء الحرب، مع فقدان أو تلف الأجهزة المساعدة لدى أكثر من 83% من الأشخاص ذوي الإعاقة. ويزيد البرد والحر الشديدان من معاناتهم في ظل تدهور ظروف الإيواء.

الجدة الحزينة القوية

في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، قضى صاروخ على عائلة الحاجة "أم رضوان حمد"، فلم يتبقَّ لها سوى الأحفاد وابن وحيد نجا، بعدما خرج سبعة منهم من تحت الأنقاض بإصابات طفيفة، فيما فقدت هي أبناءها وزوجاتهم وعددًا من أحفادها.

أم رضوان، في أواخر الستينيات من عمرها، لم يكن لديها الوقت للحزن؛ فبمجرد خروجهم من تحت الأنقاض وحصولهم على بعض الإسعافات الأولية، حملت أحفادها وعبرت بهم شارع الرشيد للنزوح إلى النصيرات، حيث استقروا داخل خيمة بسيطة تبرع بها أهل الخير، بينما حصل ابنها، برفقة زوجته، على تحويلة طبية إلى مصر بعدما كانوا في وضع صحي صعب.

لا يزال شهداؤها تحت الأنقاض، أما هي وأحفادها، فمنذ عام، يواظبون على الاصطفاف أمام التكايا وطوابير المياه. يحاول كبير الأحفاد "مصطفى" ترميم الخيمة، فيما تساعد شقيقته "فرح"، التي أنهت لتوها الثانوية العامة، جدتها في إعداد الوجبات الغذائية من المعلبات التي يحصلون عليها ضمن المساعدات.

في مصر، حصل ابنها على طرف صناعي، لكن الصور التي كانت تصله لعائلته بعد اشتداد المجاعة دفعته إلى بيع طرفه الصناعي وإرسال ثمنه لوالدته، كي تشتري الطحين للصغار وتطعمهم.

داخل الخيمة المهترئة، تحاول "أم رضوان" تعديل جلستها؛ فهي منذ ثلاثة أشهر لم تعد تقوى على الحركة بعدما سقطت أرضًا وكسرت قدمها. تحكي وهي تبكي:" أصبح أحفادي هم من يقومون بخدمتي بدلًا من أن أعيلهم (...) أصبحت عبئًا عليهم، ولا أعرف ماذا أفعل وكيف سأؤمّن مستقبلهم".

هذه السيدة تشبه عشرات السيدات اللواتي فقدن أبناءهن وبقين يربين أحفادهن ويحاولن تدبّر أبسط احتياجاتهم، بدلًا من أن يجدن من يرعاهن.

تستكمل المُسنة : "كبارنا أولادنا وأحفادنا، واجى الوقت الي نأخذ فيه راحة قبل ما ربنا يأخذ أمانته، لكن مع الحرب، شعرت أني ببدأ من ثاني في تربية والرعاية، هذه الحرب قضت علينا معنويا، بطء علاجي بشعر أنه اله سبب في حالتي النفسية والجسدية الي اجهدتها طوال الثلاث سنوات".

تريد أن تقول أم رضوان، أنها خاضت حرب استنزاف صامتة طوال الثلاث أعوام، وانتهت مع كل أسف بكسر على مستوى القدم الأمر الذي زاد من العبء النفسي قبل أي شيء. خاتمة حديثها :" إسرائيل تبدع في قتلنا ببطء نحن كبار السن".

سبعة أبناء من سراب!

على كعازه الخشبي المتآكل، رافق العم "أبو ماهر" -71 عامًا- مجلة "المخيم" حتى وصل إلى خيمته، وجلس على حجر إسمنتي ليحكي حكايته، فهو يعيش وحيدًا بعدما توفيت زوجته قبل أشهر جراء انقطاع علاج مرضى السرطان.

أما عند سؤاله عن أولاده، فأجاب وهو يتنهد: "الله يسهل عليهم السبعة، كل واحد في مكان بيجري على رزقه، بيجوا يطمئنوا عليّ كل فترة (..) هنا أتدبر أموري ويساعدني شباب المخيم".

وعن مكان سكنه قبل وصوله إلى مخيم النصيرات، قال: "كنت أسكن في حي الزيتون وأعمل ممرضًا (..) وفترة الحرب وتواجدي في غزة على مدار 9 شهور كنت أساعد في تضميد جراح المصابين رغم أني متقاعد، لكن حين اشتد القصف طلبت زوجتي النزوح، كون المرض اشتد عليها، فخرجت برفقتها وابني الصغير".

وتابع: "وضعت زوجتي على كرسي متحرك وعبرنا الحاجز، بينما ابني كان يتأفف ويلومني طوال الوقت بأننا خرجنا وقُصف البيت"، معلقًا: "لو بقينا لقتلنا أيضًا".

وعن احتياجاته اليوم، يصمت ثم يحكي بنبرة هادئة: "لا أريد سوى الستر والموت بكرامة، وألا أكون عبئًا على أحد"، متمنيا لو يجد له مكان في مركز الوفاء لرعاية المسنين في غزة.

وفي ذات السياق يقول مدير مركز الوفاء خلال تصريحات صحفية إنه مع انطلاق الحرب على غزة كان المركز يقدم الرعاية لثلاثة وأربعين مسنا، لكننا فقدنا ثلاثة وعشرين منهم خلال الفترات الماضية بسبب المجاعة والخوف والقصف.

وبحسب نجم فإن المقر الرئيس للمركز الذي كان يقع في مدينة الزهراء وسط قطاع غزة تعرض للقصف المباشر في الشهر الأول للحرب، مما اضطرهم لنقل المسنين بصعوبة إلى مقر مؤقت داخل مستشفى يافا بمدينة دير البلح، قبل أن يعودوا بهم إلى مقر آخر في مدينة غزة.

وأكد نجم في حديثه أن المسنين الذين يرعاهم "مركز الوفاء" يعيشون في ظروف استثنائية لفقدانهم الأهل والمعيل، وتعرضوا لنوبات من الخوف والهلع والبكاء بسبب شدة القصف، وعدد منهم أصيب بشكل مباشر.

وأشار إلى أن الظروف القاهرة التي اجتمعت على المسنين تسببت بفقدان أكثر من نصفهم، محذرا من موت المزيد منهم إن بقيت الأوضاع المعيشية على حالها في قطاع غزة.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فإن عدد كبار السن الذين قُتلوا في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 بلغ 5,100 شخصًا ضمن قوائم الوفيات التي حددت وزارة الصحة في غزة بيانات أصحابها حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2025.

لقد مُزقت العائلة

تعيش عطاف السيسي "42 عاما" أكثر مراحل حياتها بؤسا، ليس أنها فقدت أحد أبناءها أو لأنها تعيش بخيمة بعد دمر منزلها، بل نتيجة تمزق الترابط الإجتماعي لعائلتها، خاصة هي الشقيقة الكبرى لستة أخوة، أربع شابات، وشابين. جميعهم متزوجين ولديهم أبناء.

بدأت حال التمزق في العائلة حين قتل الأبوين، محمد ودلال في قصف إسرائيلي في بداية الإبادة في حي الشيخ رضوان، منذ تلك اللحظة تفرقت العائلة وأصبح كل فرد بها منشغلا في حياته والأدهى من ذلك أنه حصل خلافا طفيفا أدى إلى قطيعة بين الأخوة.

تقول عطاف وهي وتمسح دموعها المختلطة بعرقها المتصبب من جبينها: "من يوم ما راحت بركة الدار – تقصد امها وأبيها – واحنا مفرقين، حاولت كثير أجمعهم ونحل الخلاف البسيط لكن ما حدا بسمع كلامي، والله يختي خوفي على أخوتي اكبر من خوفي من القصف والجوع وبهدلة الخيم".

تلك العائلة بحضور الأبوين كانت عائلة عطوفة مترابطة، تستعجب السيدة كيف بهذه السرعة تحولت عائلتها من عائلة مترابطة اجتماعيا إلى حالة حادة من النفور.

تكمل: " في حياة أمي وأبويا، ما كان حدا فينا يستجري يفتعل أي إشكالية احتراما وحبا للكبار، كانوا صمام أمان العائلة".

الإبادة على غزة مش قتل ودمار وخوف وجوع وكفى، بل هناك اغتيال وشطب معنوي لكثير من العوائل حين قتلت "إسرائيل" كبار السن فيها، على اعتبار أنهم كانوا ملجئ الأمان العائلة والكلمة الفاصلة لأي خلاف. هكذا ترى عطاف.

تختم الشقيقة الكبرى : " همي كبير يختي؛ بحاول دايما أصلح بين اخوتي، وكرامة لدم أمي وأبويا الشهداء راح استمر في محاولة الصلح؛ صحيح أنه نفسي يكون الي بيت بدل هالخيمة وبدل هذه الحياة الي بتقصر العمر، ولكن أمنيتي الوحيدة الآن قبل أي شيء، نرجع نلتم ثاني وتكون قلوبنا على بعض".