غزة – مها إبراهيم
قبل عام، دوّت زغرودة في وسط مخيم السرايا بمدينة غزة، إيذانًا بموافقة أهل العروس "ريم" على عريسها "أمير، وبعد شهر أُقيم حفل زفافهما في خيمة كبيرة، شارك فيها سكان المخيم بصناعة فرحة العروسين وفق الإمكانات المتاحة، ولكن دون مظاهر الاحتفال التي اعتاد عليها الغزيون قبل الحرب، كحفلات ما قبل الزفاف أو فستان الزفاف الفاخر ووليمة الغداء و "فدعوس" يجوب المدينة برفقة العروسين.
في ذلك الوقت، كانت الأوضاع الميدانية في قطاع غزة بالغة الصعوبة، إلا أن الغزيين كانوا يقتنصون لحظات الفرح كلما سنحت الفرصة، في تحدٍ للحرب والموت، ويصنعون بهجتهم بأبسط الإمكانات المتوفرة.
كان فستان العروس "ريم" ثوبًا أبيض مطرزًا أُخرج من تحت الأنقاض، أما أمير، الذي كان يخطط قبل الحرب لزفاف يشبه حفلات زواج أشقائه، فقد ارتدى قميصًا وبنطالًا استعارهما من أحد أصدقائه.
"لم يكن هناك وليمة غداء ولا حلويات، بل اقتصر الأمر على القليل من الشاي والماء وبعض المقرمشات التي صنعتها نساء المخيم من الطحين المتوفر" كما يقول أمير وهو يعمل ممرضا في أحد المراكز الطبية.
يتابع: "كنت أمتلك منزلًا في حي الدرج، وكانت والدتي تبحث لي عن عروس بعدما أنهيت تجهيز أموري المادية استعدادًا للزواج، لكن كل شيء تبدل بعد حرب الإبادة على قطاع غزة".
ويستطرد: " دُمّر منزل العمر، ولم يتبقَّ لي سوى خيمة (..) وبعد عام من الحرب، قررت أن أتزوج، فكانت ريم، جارتنا في الخيمة المقابلة، لما عُرف عنها من حسن الخلق والأصل الطيب، وبالإمكانات البسيطة المتاحة تزوجنا، واليوم ننتظر مولودنا الأول".
ويختم عن هذه الجزئية: "خرجتُ من تحت الأنقاض برفقة والديّ وشقيقي، بينما ارتقى ثلاثة من أشقائي مع عائلاتهم."
وعن سبب إقدامه على الزواج في ظل الحرب، يجيب أمير في حديثه لمجلة "المخيم": "لأنها سنة الحياة، ونحن الفلسطينيين نحاول أن نتمسك بالحياة رغم كل شيء، الاحتلال يسعى إلى اقتلاعنا من أرضنا، لكننا، بممارسة حياتنا الطبيعية تحت القصف والموت، نؤكد تمسكنا بأرضنا وإصرارنا على البقاء."
كانت صور حفلات الزفاف التي خرجت من قطاع غزة خلال الحرب أثارت دهشة العالم، فكيف لشعب يعيش تحت القصف والموت أن يجد مساحة للفرح ويصرّ على مواصلة الحياة؟ ورغم الدمار والحصار، كانت الزغاريد تتردد بين الخيام وفوق ركام المنازل، في أفراح متواضعة امتزجت بوجع الفقد.
عروسان "الناجي الوحيد"
هذه حكاية ينطبق عليها المثل الشعبي "يا اللي متلنا تعالوا عنا" وهذا ما انطبق تمامًا على الزوجين "خليل وسمر" من مخيم البريج، فكلاهما خرج من تحت الأنقاض دون ذويه الذين ارتقوا شهداء، حتى بات يُطلق على كل منهما "الناجي الوحيد".
حين قرر خليل، وهو مدرس في إحدى الخيام التعليمية، الزواج، طلب من عمته أن تبحث له عن عروس تشبه ظروفه، ولم تُرهقها المهمة كثيرًا، إذ سرعان ما وجدت له "سمر"، الناجية الوحيدة من عائلتها بعد أن ارتقوا شهداء.
تقول العروس سمر: "لم أتردد في الارتباط بخليل بعدما أجمع أقاربي على حسن أخلاقه، فوجدت فيه عائلتي، فكلانا يعيش الظروف الحياتية والنفسية نفسها، نهوّن الحياة على بعضنا، ونستذكر أهلنا باستمرار، وأعرّفه على أفراد عائلتي من خلال الصور، وأحدثه عن مميزات كل واحد منهم".
وعن تفاصيل حفل الزفاف، ذكرت لمجلة "المخيم" أنها تزوجت في ديسمبر/كانون الأول 2025، وكانت أوضاع القطاع هادئة نسبيًا من ناحية القصف.
أما فيما يتعلق بتجهيزها للانتقال إلى خيمة الزوجية، فقالت إن الجميع ساعدها في تجهيز جهاز العروس البسيط، كما قرر الأقارب إقامة حفل زفاف كبير بتكاليف مرتفعة.
وأشارت إلى أن زوجها طلب منهم "بدلًا من إقامة حفل كبير بتكاليف باهظة، ساعدوني في العثور على شقة ودفع إيجارها، بدلًا من إنفاق هذه الأموال على ساعات قليلة من الفرح، ولنكتفِ بحفل بسيط في البيت"، فكان لهما ما أرادا.
ورغم ازدياد حفلات الزواج وقت الحرب وما بعد الإبادة الجماعية لقلة التكاليف مقارنة في السابق إلا أن هناك أشخاص يتكبدون مصاريف الفرح تحت وطأة الحرب والفقر ليعيشون ساعات من مظاهر الفرح وبعدها ترهقهم الديون الدين لا يستطيعون سداداها.
ففي السابق كانت المهور تتراوح من 3 لـ 5 الاف دينار الأردني، وميزانية ملابس العروس تصل ألفي دينار، عدا عن الذهب، لتشكّل ما يُعرف بـ"جهاز العروس"، بينما العريس كان يغرق في تجهيز بيت الزوجية والسهرات الاحتفالية ما قبل فرح الزفاف.
اليوم لعب تغيّر طبيعة السكن دورًا حاسمًا في هذا التحول؛ فمعظم العرائس يعشن اليوم في خيام أو مراكز إيواء، لا في شقق سكنية، لذلك باتت اختيارات الملابس أكثر عملية، لتلائم حياة يومية داخل خيام مكتظة.
حفل زفاف أسطوري
ورغم أن كثيرًا من حفلات الزفاف التي أُقيمت بين الخيام وعلى أنقاض المنازل اتسمت بالبساطة، بهدف تكوين أسرة ومواصلة الحياة في ظل الحرب، فإن مظاهر مختلفة بدأت تظهر تدريجيًا مع تحسن نسبي في الأوضاع ببعض المناطق، لتعود معها حفلات زفاف بتكاليف مرتفعة أثارت تساؤلات واسعة، لا سيما لدى الفلسطينيين خارج قطاع غزة.
عقد "أحمد" – وهو اسم مستعار – نجل أحد رجال الأعمال، قرانه على ابنة صديق والده، وهو تاجر معروف في القطاع، في حفل وُصف بأنه استثنائي.
وانتشرت صور ومقاطع من الاحتفال على منصات التواصل الاجتماعي، ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن المناسبة أُقيمت خارج قطاع غزة، نظرًا لحجم التجهيزات ومظاهر الاحتفال.
وبحسب شهود حضروا المناسبة، أُقيمت حفلتا حناء منفصلتان للعروسين؛ إذ شهدت حنة أم العريس حضور عدد من سيدات الأعمال وصاحبات المبادرات الاقتصادية اللواتي لمعن في الحرب، وقدمن هدايا ونقوطًا شملت مصوغات ذهبية، فيما استمرت احتفالات الرجال ثلاثة أيام، تخللتها ولائم طعام، وحضور مطربين وسط تجمع عدد من سكان الخيام المجاورة لمتابعة الأجواء من مسافة بعيدة.
أما حفل الزفاف، فقد اتسم بتجهيزات فاخرة مقارنة بما تشهده غالبية الأعراس في القطاع خلال الحرب، في مشهد عكس التفاوت الكبير في الإمكانات الاقتصادية بين العائلات، في وقت لا يزال فيه معظم سكان غزة يعيشون ظروف النزوح وفقدان المنازل ومصادر الدخل.
وعلى بُعد أمتار من منزل العريس "أحمد"، كانت تُقام حفلة زفاف بسيطة للعروس "سما" (16 عامًا)، داخل "حاصل" صغير، ارتدت فستانًا أبيض متواضعًا، بعدما قرر والدها تزويجها في ظل عجزه عن تحمل أعباء الحياة المتزايدة.
وتروي سما، ببراءة، لمجلة "المخيم": "عندما رأيت مظاهر الفرح في حفل الجيران، تمنيت لو كنت مكان عروستهم، لكنني رضيت بما استطاع زوجي توفيره لي، فالحمد لله أنني ارتديت فستانًا أبيض، وهذا أفضل من كثيرات غيري".
وعن استعدادها للحياة الزوجية، تقول إنها تعلمت خلال النزوح كل ما تحتاجه لإدارة منزلها، من إعداد الطعام بأبسط المواد الغذائية المتاحة، وغسل الملابس يدويًا، والعناية بالأطفال، مضيفة: "كنت أهدّئ شقيقي الصغير وأهدهده كلما بكى، ولذلك أشعر أنني قادرة على تحمل مسؤولية أسرتي الجديدة رغم صغر سني".
ارتفاع معدلات الزواج
وتعكس الأرقام الرسمية هذا التحول في واقع الزواج خلال الحرب، فقد كشف رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي، الشيخ الدكتور حسن الجوجو، أن عدد عقود الزواج المبرمة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بلغ 34 ألفًا و209 عقود، منها 15 ألفًا و368 عقدًاحتى نهاية عام 2024، و18 ألفًا و841 عقدًا منذ بداية عام 2025 وحتى 10 أكتوبر من العام نفسه.
وفي المقابل، سُجلت 4819 حالة طلاق خلال الفترة ذاتها، بينها 2017 حالة منذ بداية الحرب وحتى نهاية عام 2024، و2802 حالة خلال عام 2025 حتى 10 أكتوبر.
ويرى الجوجو أن عدد الزيجات خلال الحرب كان أعلى مما كان عليه قبلها، مرجعًا ذلك إلى تراجع متطلبات الزواج وتكاليفه، إذ بات كثير من الأزواج يبدأون حياتهم في خيمة أو مركز إيواء بدلًا من انتظار تجهيز منزل مستقل.
وفي المقابل، أوضح أن حالات الطلاق، رغم ارتباط بعضها بالضغوط النفسية وتداعيات الحرب من نزوح وتدمير للمنازل وما يرافقها من توترات ومشادات بين الأزواج، بقيت دون المعدلات التي كانت سائدة قبل الحرب، مؤكدًا أن المجتمع الفلسطيني حافظ إلى حد كبير على تماسكه الاجتماعي ونسيجه الأسري رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها.