أحمد أبو قمر


تحولت الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة من مجرد أرقام تعكس حجم الانهيار والفقر والبطالة إلى بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة، فبعد سنوات من الأزمات والحصار جاءت الحرب لتدفع النشاط الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة من التراجع فيما يجد أصحاب المشاريع أنفسهم أمام تكاليف تشغيلية متزايدة ومبيعات محدودة وقدرة شرائية متآكلة لدى السكان.


بينما يحاول بعض أصحاب المشاريع الاستمرار بما تبقى لديهم من موارد، يجد آخرون أنفسهم أمام خيار الإغلاق بعدما باتت الإيرادات غير كافية لتغطية الإيجارات وأجور العمال والكهرباء وتكاليف الصيانة والتشغيل.


وفي الأسواق والمحال التجارية والمطاعم تتكرر الشكوى ذاتها، الزبائن أقل والمصاريف أعلى والقدرة على التنبؤ بما سيحدث غدا شبه معدومة في ظل استمرار القيود على حركة السلع والأفراد وتعقيدات إدخال الاحتياجات الأساسية.


هذا الواقع يضع المشاريع الفردية أمام اختبار قاسي للاستمرارية، إذ لم يعد السؤال لدى كثير من أصحابها مرتبطا بتحقيق الأرباح أو توسيع النشاط وإنما بقدرتهم على تغطية النفقات الأساسية والحفاظ على المشروع مفتوحا.


التكاليف تلتهم الأرباح

في مدينة غزة، يحاول عماد الشرفا، مالك مشروع مول تجاري، الحفاظ على مشروعه في ظل واقع اقتصادي لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار. ويقول الشرفا إن أكثر ما يثير مخاوفه هو استمرار حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد المحلي، موضحا أن صاحب المشروع أصبح غير قادر على معرفة حجم التكاليف التي قد يواجهها خلال الفترة المقبلة، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية ويصعب فيه تحقيق عوائد تكفي لتغطية المصروفات.


ويشير إلى أن البيئة الحالية لا تشجع على الاستثمار أو التوسع وإنما تدفع أصحاب المشاريع إلى التفكير يوميا في كيفية المحافظة على ما أنشأوه.

يضيف الشرفا: "التكاليف التشغيلية أصبحت من أكبر الأعباء التي تواجه المشروع، وعلى رأسها تكلفة الكهرباء إلى جانب التكاليف الثابتة التي جرى الالتزام بها منذ بداية تأسيس المشروع".


يوضح أن هذه النفقات لا تتوقف حتى في الفترات التي تتراجع فيها حركة البيع أو تقل فيها الإيرادات، ما يجعل صاحب المشروع مضطرا إلى دفع التكاليف الأساسية من موارد محدودة.


ويرى الشرفا أن مجمل ما يجري في البيئة الاقتصادية يشير إلى استمرار التضييق على قطاع الأعمال، معتبرا أن استمرار التحكم الإسرائيلي في حركة المعابر وتدفق السلع والاحتياجات يساهم في إبقاء تكاليف المشاريع عند مستويات مرتفعة.


في سوق الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، يعيش سائد القطاوي تجربة مختلفة في الشكل لكنها متشابهة في جوهرها مع معاناة كثير من أصحاب المشاريع الفردية. فالقطاوي يمتلك مشروعا لبيع الخضروات لكنه يجد صعوبة متزايدة في المحافظة على نشاطه في ظل ارتفاع الإيجار والتكاليف الأخرى من الكهرباء وأجور العمال إلى المصروفات المرتبطة بتشغيل المشروع.


يقول إن الاستمرار أصبح أكثر صعوبة لأن حجم المصروفات لم يعد متناسبا مع الإيرادات التي يحققها المشروع، في وقت تتراجع فيه حركة البيع بشكل واضح.


ويشير القطاوي إلى أن ضعف القدرة الشرائية لدى السكان ينعكس مباشرة على مشروعه، فحتى السلع الأساسية مثل الخضروات لم تعد تحظى بمستوى الطلب السابق بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الغزيون.


ويضيف: "قلة عمليات البيع جعلت هامش الربح محدودا للغاية بينما تستمر الالتزامات المالية دون توقف، الأمر الذي يدفعه إلى التفكير جديا في إغلاق المشروع". بالنسبة إليه، لم تعد المشكلة مرتبطة بالرغبة في الاستمرار وإنما بمدى قدرة المشروع على تحمل مزيد من الخسائر.


ويؤكد القطاوي أن هناك كثيرا من المعيقات التي باتت تهدد استمرارية المشاريع الصغيرة في غزة، مشيرا إلى أن ما يحدث يمثل حصارا مشددا تزداد تعقيداته يوما بعد آخر. ويرى أن أصحاب المشاريع أصبحوا عالقين بين سوق يعاني من الركود وتكاليف تشغيلية مرتفعة دون وجود مؤشرات واضحة على تحسن قريب.


ركود يتعمق


وفي مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، يحاول محمود عطاالله إدارة مطعمه بالقرب من مكان نزوحه لكن تراجع الإقبال على المطعم دفعه إلى اتخاذ قرارات صعبة للحفاظ على المشروع.


ويقول عطاالله إن عدد العاملين لديه انخفض من 13 عاملا إلى ستة فقط نتيجة التراجع الكبير في عمليات البيع وانخفاض أعداد مرتادي المطعم. القرار لم يكن سهلا لكنه أصبح ضروريا في ظل عدم قدرة الإيرادات الحالية على تحمل حجم العمالة السابق خصوصا مع ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الطلب".


يشير عطاالله إلى أنه حاول جذب الزبائن من خلال تقديم عروض وتخفيضات على الأسعار، أملا في زيادة حركة البيع والحفاظ على المشروع إلا أن النتائج بقيت محدودة. ويوضح أن المشكلة الأساسية لم تعد مرتبطة بأسعار المطعم وحدها وإنما بالوضع المعيشي العام للغزيين الذين يواجهون ظروفا اقتصادية قاسية تجعل الإنفاق على المطاعم والخدمات غير الأساسية أمرا صعبا. ويقول إن انخفاض أعداد الزبائن انعكس بصورة مباشرة على دخل المشروع بينما بقيت المصروفات قائمة.


التعافي محدود


بدورها، تقول المختصة في الشأن الاقتصادي وئام وهبة إن سوء الوضع الاقتصادي في قطاع غزة يمكن ترجمته بوضوح من خلال المؤشرات الاقتصادية، مشيرة إلى أن معدلات البطالة تتجاوز 80%، بينما تتخطى معدلات الفقر 90 في المئة.


توضح وهبة أن هذه الأرقام تعكس حجم الأزمة التي يعيشها المجتمع في ظل تراجع مصادر الدخل وتآكل القدرة الشرائية إلى جانب مشكلات السيولة وتوفر النقد، وهي عوامل ساهمت بدورها في زيادة معدلات الركود داخل الأسواق.


تضيف: "الاقتصاد الغزي يواجه في الوقت ذاته معدلات مرتفعة من الانكماش الاقتصادي، ما يجعل قدرة المشاريع على التعافي محدودة للغاية".

وترى وهبة أن الاقتصاد الغزي لم يشهد تحسنا حقيقيا رغم هدوء وتيرة القصف مقارنة بمراحل سابقة من الحرب بل إن الأوضاع الاقتصادية ازدادت تعقيدا بسبب استمرار التحكم الإسرائيلي في المعابر.


وتبين أن عدم وجود تدفق طبيعي للسلع والمواد اللازمة للنشاط الاقتصادي إلى جانب غياب فرص حقيقية لإعادة الإعمار، يحول دون خلق دورة اقتصادية قادرة على استعادة جزء من نشاطها.


إن بقاء هذه العوامل يعني أن أصحاب المشاريع سيظلون يعملون في بيئة شديدة الهشاشة لا توفر شروطا كافية للاستثمار أو النمو. هكذا ترى وهبة.


وتشير و إلى أن معاناة الغزيين لم تتوقف وإنما شهدت تدهورا إضافيا بفعل السياسات الإسرائيلية المرتبطة بالعملية التجارية وحركة السلع. وتوضح أن احتكار أو التحكم في مسارات التجارة أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار العديد من السلع فيما ساهمت سياسة التنسيقات والمبالغ الباهظة التي يتم دفعها للحصول على بعض الخدمات أو تمرير الاحتياجات في زيادة التكلفة النهائية.


بين مول تجاري يكافح لتغطية تكاليف الكهرباء والصيانة ومشروع خضروات يواجه خطر الإغلاق ومطعم اضطر إلى الاستغناء عن أكثر من نصف عماله، تتكرر الصورة ذاتها في أنحاء قطاع غزة، وهي مشاريع فردية تحاول البقاء في سوق فقد كثيرا من قدرته على الحركة.