فريق التحرير
في ستينيات القرن الماضي، أرسل صُنّاع القرار الإسرائيلي علماء وخبراء مختصين في علم الاجتماع لإعداد دراسة شاملة ودقيقة حول بيئة مخيمات غزة. وخرجت تلك الأبحاث والدراسات، التي أُجريت على مدى ست سنوات تقريبًا وبمستوى عالٍ من السرية، بخلاصة تتنبأ بأن هناك جيلًا صاعدًا قد يُحدث ثورة خلال الثلاثين عامًا المقبلة، وهذا ما حصل فعلًا إبان الانتفاضة الأولى في نهاية ثمانينيات القرن المنصرم، والتي شكّلت منعطفًا في تاريخ الصراع والوعي الجمعي الفلسطيني، على الأقل.
هذه اللفتة التاريخية تؤكد المؤكد: أن المنهجية الإسرائيلية في التعامل مع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تكن عشوائية ووحشية، وإن بدت ظاهريًا بهذا الشكل؛ فالتعمق في كواليسها وتفاصيلها يوضح أنها كانت تسير وفق مراحل وخطة مدروسة ومنهجية، أُعدّت مسبقًا من المؤسسة العسكرية الأمنية الإسرائيلية.
فمثلًا، في البيئة التعليمية لقطاع غزة، بدأ الجيش الإسرائيلي بتدمير أغلب المدارس والجامعات والمراكز العلمية ومراكز الأبحاث بشكل متزامن، ثم بدأ سلسلة اغتيالات لعلماء ورموز علمية وقامات معرفية على مستوى المراحل التعليمية والتخصصات، وها هو يحاول استكمال عملية "تجهيل غزة" من خلال منع دخول الأوراق والحبر والمستلزمات التعليمية.
الأمر ذاته ينطبق على الإبادة الصامتة المستمرة التي تطال كبار السن في غزة، وهي محور هذا الموضوع. فالجيش الإسرائيلي، بكل تأكيد، قرأ جيدًا البنية والطبقات المجتمعية لغزة، وأدرك أن القطاع مجتمع قبلي عشائري تحكمه الأعراف بالدرجة الأولى، وأن صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في عائلات غزة، وخاصة العائلات المركبة، هو كبير العائلة، أو ما يُعرف بمختار العائلة.
منذ بداية الإبادة على قطاع غزة، تعامل الجيش مع كبار السن، كغيرهم من الملفات، ضمن قاعدة المراحل؛ فبدأ أولًا بتصفية واغتيال كبار ومخاتير العائلات، إذ وصل عدد شهداء المسنين إلى خمسة آلاف شهيد، أغلبهم من مخاتير وكبار العائلات.
الغرض الجلي من هذه المرحلة الأولى هو إحداث فوضى وانهيار مجتمعي في غياب القدوة لكل عائلة، وهذا ما حصل فعلًا؛ إذ أقدمت بعض العائلات على إحداث فوضى من خلال سرقة المساعدات وحرق وإتلاف مصادر رزق الآخرين.
وبجانب ذلك، وقعت مئات الخلافات العائلية والاقتتال الدامي بالأسلحة البيضاء والأسلحة الخفيفة، امتد بعضها لأسابيع، وأسفر عن عشرات القتلى من كلا الطرفين. وفي السياق ذاته، ولكن في جزئية مختلفة، برزت الحالة الجنونية لارتفاع أسعار الإيجارات واستغلال مئات الآلاف من النازحين من قبل أفراد يمتلكون عقارات، إذ لم يجد هؤلاء رادعًا عائليًا في ظل غياب القانون والقوة الشرطية.
وتزامن اغتيال كبار العائلات والمخاتير مع فرض "إسرائيل" المجاعة على قطاع غزة، ما أرهقهم جسديًا ونفسيًا، ووصل ببعضهم إلى أكل أعلاف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. فبدلًا من أن يستكمل كبير العائلة أو مختارها مهمته في حل الإشكاليات المجتمعية الناجمة عن الحرب المستمرة، انشغل بالبحث عن لقمة تسكت جوعه، فغابت فعاليته التي كان المجتمع في أمسّ الحاجة إليها. علمًا أن العشرات من كبار السن استشهدوا نتيجة التجويع.
ثم اتبع مرحلتي المقتلة والجوع، مرحلة فرض الحصار ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات العلاجية إلى غزة، ليرتقي العشرات من كبار السن ومخاتير العائلات نتيجة نقص الأدوية، وهذا يأتي ضمن الحرب الصامتة التي يعيشها آلاف كبار السن، الذين يصل عددهم إلى 108 آلاف شخص في غزة.
وبعيدًا عن البعد المادي في غياب كبير العائلة، هناك بعد نفسي وروحي لوجود كبير العائلة بين الأبناء والأحفاد؛ فغيابه أو استشهاده أدى إلى إحداث فراغ نفسي لدى الشبان وسيدات العائلة وحتى الأطفال، خاصة في ظل الظروف المأساوية والصعبة. وخلاصة هذه الجزئية، ضمن كلمة شعبية دارجة بين أهالي غزة: "غابت البركة" عن الكثير من العائلات.
أمام هذه المعطيات، والقراءة السريعة لواقع كبار السن وما يمر به الواقع المجتمعي نتيجة استشهاد الآلاف منهم، ما المطلوب من كل شاب وشابة في التعامل مع كبار السن؟
دون مقدمات، إن التعامل معهم بعناية وبرّ ورحمة في هذا التوقيت، لكل شخص عاقل لديه كبير سن، ليس أمرًا بدافع الأخلاق أو واجبًا إنسانيًا فقط، وإنما هو، بالدرجة الأولى، مسؤولية وطنية وربانية. إذ لا يوجد مبرر للانقاص من هذه الطبقة المجتمعية أو تهميشها بأي حال من الأحوال.
فكبار السن في سياق ما؛ هم ذاكرة العائلة، المرجعية الاجتماعية، وسطاء حل النزاعات، ناقلو الرواية الفلسطينية، حلقة الوصل بين الأجيال، حملة العادات والتقاليد، مصدر الأمان النفسي للأحفاد.
في النهاية، إن عبارة "البركة في كبارنا" ليست موروثًا شعبيًا بقدر ما هي استراتيجية يجب على الأجيال الصاعدة التمسك بها وفهمها وإدراكها وتطبيقها على أرض الواقع؛ لأن كبار السن هم مخزون أخلاقي وروحي، والمحافظة عليهم تعزز إرادة الفلسطيني في البقاء.