بهاء شاهرة رؤوف
_
باحث فلسطيني
في عام ١٩١٥، نادى المنادي على أهالي قطاع غزّة بأن من لن يخرج منها سيتم احراقه هو وعائلته وأمتعته في مكانه.
كان تعداد سكان غزّة حينها ما يقارب ٤٣ ألف نسمة. ولم يتبقّى بها سوى شيخ كفيف وحماره مع طفل يقوده إلى الطريق الذي يُريد.
هذا النزوح الكبير، للأسف لم يتم توثيقه بالشكل الكافي، وحده الشيخ عثمان مصطفى الطبّاع وثّقه في كتابه "إتحاف السّادة الأعزّة في تاريخ غزّة".
النزوح، حدث بسبب تجييش الدولة العثمانيّة آنذاك للحرب العالميّة الأولى ضد بريطانيا، وخلال تحضيرها للحرب قام الجيش البريطاني بإرتكاب مجزرة ضد أهالي غزّة، حيث كانت أعداد الشهداء تتراوح بين عشرات إلى مئات الشهداء. -لا يوجد رقم محدد إلى الآن- وهذا الأمر، لم يتم توثيقه أيضاً. ولكن آثاره باقية إلى الآن حيث عندما قام الاحتلال البريطاني بقصف غزّة، سقطت قذيفة عشوائية على قبر في مقبرة الشجاعيّة التي تم تجريفها خلال الحرب الحاليّة.
هذه المقبرة كانت تضم مقاتلين من كافّة الدول العربية الذين شاركوا خلال حرب النكبة عام ١٩٤٨. وقد خُصّص فيها مكان للشهداء السعوديين الذين أتوا إلى فلسطين عكس رغبة القيادة العسكريّة آنذاك.
بعدما أُجبر النّاس على النزوح، والذين نزحوا أغلبهم خارج حدود بلدة غزّة القديمة نحو الجنوب من الوادي. تم شق طريق جمال باشا تحضيراً للحرب بعدما جُعلت غزّة خط حربي. وقد صُمّم لنقل الذخيرة الحربية بين الغرب والشرق وهو ما يُسمّى هذه الأيام بشارع عمر المختار الشهير في قطاع غزّة.
بعدما خسر العثمانيين الحرب، تم احتلال قطاع غزّة من قبل الاحتلال البريطاني والذي أفضى في النهاية إلى احتلال فلسطين من قبل الحركة الصهيونيّة.
هذه التفاصيل، ليست عبثيّة، بل هي تذكير لحاجتنا لتوثيق مجازر الاحتلال حتّى لا ينساها التاريخ، وكلما كان التوثيق دقيقاً كلما كان الباحثين أدق في صياغة التاريخ.
البارحة في تدريب مسارات، ذكر الدكتور أحمد عزم مجزرة غزة قبيل الحرب العالميّة الأولى، وكان ذكراً سريعاً لم ينتبه له الأغلب. واليوم، ومنذ الصباح وأنا أبحث عن الأمر، ووجدت نفسي بين تفاصيل كثيرة أفضت إلى هذه المقالة.
عموماً، وبكل الأحوال، حرب الإبادة في قطاع غزّة والتي هي مستمرّة إلى يومنا هذا، تجعلنا وبشكل لا إرادي كغزيين ساخرين من القدر، فالنزوح نحو الجنوب هو ذاته، والتجييش في غزّة ولغزة هو ذاته، والمجازر هي ذاتها، وحتى فشلنا في التوثيق هو ذاته. وهذا الأمر، هو ما يسعى الاحتلال إليه، من إبادة المكان والزمان والانسان.
في النهاية، التاريخ يُعيد نفسه، وأترك سؤالا مفتوحا أطرحه لنفسي قبل أن أضعه بين أيديكم، ما هو المطلوب من كل فلسطيني مُدرك؟!
سأخبركم بنصف الإجابة، صحيح أن ثلاث أعوام مرت وحتى اللحظة لم تجهز لجنة حكومية أو مشروعا وبرنامجا وطنيا يسعى إلى توثيق المجازر الإسرائيلية التي وقعت في زمن الإبادة وعلى الاقل كمرحلة توثيقية أولية، لكن هذا الفشل أو الخطيئة الوطنية لا تعفيني كفرد يمتلك نوعا من مهارة الكتابة والقدرة من التوقف على البحث واستكمال المهمة، على الأقل قد تقرأ الأجيال عني ومني، كحكاية الحمار وصحابه الكفيف مع فارق الاختلاف أن قصتي وبحثي لربما قد يكون أكثر تفصيلا.