عبد الرحمن طافش _
المجلس الأعلى لوزارة الشباب والرياضة
تعرضت الرياضة في غزة لدمار ممنهج وغير مسبوق طال البشر والحجر على حد سواء، فلم تكن المنشآت الرياضية، من ملاعب وصالات وأندية، بمعزل عن آلة الاستهداف التي حولت ملاعبنا التاريخية لكومةٍ من ركام أو مخيماتٍ لجوء.
هذا الدمار لم يكن مجرد استهداف مادي ، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان، استهدفت قتل الشباب وأحلامهم، ومحاولة لطمس الهوية الفلسطينية، والتي حملها الرياضيون على عاتقهم في المحافل الدولية.
ولقد دفع الرياضيون فاتورة باهظة من دمائهم؛ حيث الأرقام صادمةً، إذ فقدت الأسرة الرياضية أكثر من (1000) شهيدا، من بينهم العديد من نجوم منتخباتنا الوطنية، إضافة لتدمير أكثر من 90% من البنية التحتية الرياضية.
إلى جانب هذه الخسارة البشرية الفادحة، تسببت الحرب بتجميد النشاط الرياضي وايقاف البطولات الرسمية، حيث تسبب ايقاف النشاط الرياضي في قطع أرزاق آلاف العائلات الفلسطينية والتي كانت تعتمد عليه كمصدر أساسي لزرقها.
ليس من باب الإحباط ولكن باب الواقعية، فمن خلال تتبعي ومراقبتي للملفات الرياضية، من ناحية البنية التحتية وإعادة ترميم ما تبقى، لست مبالغا لو قلت نحن بحاجة لأكثر من عشر سنوات لضمان عودة الحياة الرياضية لقطاع غزة. ما يعني أن جيل رياضي مقبل قد يشطب بالكامل أو شطب، علما أن متوسط عمر الرياضي في غزة من ( سبعة إلى عشر سنوات).
ولأن الشيء بالشيء يذكر، وبحكم أنني مدرب المنتخب الوطني لكرة الطائرة الشاطئية، ولاعب سابق في المنتخب الوطني لكرة الصالات، أُعرج سريعا عن واقع كرة الطائرة؛ ما لا يعرفه البعض أن "إسرائيل" اغتالت أغلب أعضاء المنتخب الوطني، بداية في مدرب المنتخب وسام جاد الله، مرورا بأربعة أعضاء رئيسيين من الفريق، وهم قائد المنتخب أحمد المفتي و اللاعب ابراهيم قصيعة، واللاعب حسن أبو زعيتر؛ وجهاد أبو قادوس، واللاعب الكبير عوني مطر قائد المنتخب الفلسطيني بداية التسعينات، كما أرتقى أكثر من 15 لاعبا محليا.
لم يكن قتل أعضاء المنتخب الوطني بمدربهم، محض صدفة أو خلال تواجدهم في أماكن وقعت بها مجازر، بل كان كل واحد فيهم هدفا مباشرا لآلة الحرب الإسرائيلية، ما يدلل أن العدوان الرياضي على غزة سار بشكل ممنهج ومدروس.
لكن الأمر الذي كان غير متوقعا وفي مطلع حديثي عن انهيار البيئة الرياضية، بجانب الوفاء للشهداء، هو أن زملاء هؤلاء الشهداء الرياضيين وذويهم وبمجهودات شخصية، دون إيعاز من جهات رسمية أو معنية، أقاموا بطولات شعبية لكرة الطائرة في أماكن خطرة وعلى بعد عدة أمتار من الخط الأصفر الزائل في مخيم جباليا شمال قطاع غزة.
إذ خرجت عشرات المقاطع المصورة، تعكس حماسة اللاعبين في تلك البطولات المتفرقة في شمال غزة، وتفاعل الجماهير والمشجعين، وكأنها رسالة من هؤلاء المسحوقين تقول إن الأمل يخرج من وسط الركام، وأن الرياضة في غزة هي حالة عنقائية.
هذه اللفتة، هو التأكيد على أن إرادة الفلسطيني لا تكسر، وما نشهده في هذا الأيام من عودةٍ تدريجية للنشاط الرياضي، في مراكز النزوح وعلى خط المواجهة في مخيم جباليا وغيرها من الأنشطة الرسمية وغير الرسمية، لا ولن يكون التعامل معه كحالة فردية أو فريدة.
وعلى ذلك إن تعافي الرياضة في غزة، هو ضرورة ملحة، فالمؤشرات تدل على حجم الكارثة بإنهاء (جيل رياضي)، وتصفية سلسلة من الإنجازات، وإن عودة بعض الأنشطة الرياضية تعيد الأمل، لكنها لا تغني عن حاجتنا الملحة لخطة انقاذ فورية تبدأ من دعم صمود الرياضيين، والذين فقدوا كل شيء، لكنهم لم يفقدوا الإرادة.