صابرين أبو عسكر
كاتبة وروائية
كلمة بحروف قليلة، وجوهر كبير. ليس وعداً بمسح الماضي وما حدث من بشاعة وألم، ولا باباً يغلق خلفه صراعات امتدت حتى تجذرت بداخلنا. التعافي، في داخله شيء هادئ وأقل نموذجية أو مثالية مدّعاة. أن تُكمل يومك وأنت تحمل ما مررت به دون أن يُسقطك ألف مرة.
أن تُبرمج عقلك على خطة جديدة تُحافظ على سلامتك النفسية وسط هذا الضجيج، خطوة صغيرة أنت من يقرر أن يخطوها.
على باب خيمتك أو نافذة غرفتك الناجية من المحرقة، بإمكانك أن تبدأ بالتعافي وتأخذ نفساً طويلاً وتعقد هدنة مع هذا الألم.
شتلة صغيرة تنمو أمامك، لا تطلب منها المستحيل ولا هي تمنحك حياة جديدة، بذرة صغيرة تمنحك بصيص أمل في هذه الحياة، تمنحك فرصة للتنفس من جديد وإعادة ترتيب يومك لا أكثر.
تنهض من نومك فتخلع عنك عباءة الأسى الثقيلة وترتدي ابتسامتك، تأكل وتشرب وتضحك دون شعور بالذنب و إلقاء اللوم على أحد.
أن تتعافى ليست خيانة لما عشته و ما لحقك من وجع وخراب وفقد، بقدر ما يكون وفاء للحياة التي وهبك إياها الله.
رفضك لهذا الألم بأن يصبح هوية جديدة لك هو بداية الأمل و التعافي والنافذة التي سيدخل منها الضوء مهما كان خافتاً.
أن تتعافى في غزة وتبدأ يومك بابتسامة هو فعل مقاوم، للصمت الثقيل، للموت البطيء، للجنون، للإنطفاء المتجذر بداخلك. أفعال مقاومة نحافظ بها على إنسانيتنا التي تساقطت لي طوابير المياه و الخبز والتكية، فتحولنا بدورنا من بشر إلى نُجاة مؤقتين.
قد يبدو هذا الأمر رفاهية في بيئة استبدلت حياتها الكريمة بأخرى مليئة بالقهر والذل وعدم الاستقرار، لكنه في حقيقة الأمر ضرورة واحتياج.
نحن لا نحاول أن نتعافى كي ننسى ما خلفته الحرب بأنفسنا و محيطنا و شوارعنا و ذكرياتنا، نتعافى كي لا ننكسر، ونبقى على يقظة أن هذه الأرض بحاجة لأن نتذكر دون أن تُكسر عزيمتنا و يُسرق حاضرنا و يُنكر مستقبلنا و نتوه في ظلماته المجهولة.