مراسلتنا – مها إبراهيم
مرة أخرى أطلّ عليك أيها النازح لنتشارك تفاصيل المعاناة، أدرك جيدًا ما الذي حصل لك، وكيف قلبت الحرب حياتك رأسًا على عقب، فأنا مثلك أقف في طوابير المياه والتكايا، وأبحث عن مكان يؤويني وعائلتي بدلًا من البيت الذي أنشأناه، وراقبنا تفاصيل بنائه كما أردنا وأكثر، ثم جاء صاروخ إسرائيلي غادر ومسح كل شيء.
اليوم أعيش مثلك يا جاري النازح، وأدرك حجم الأعباء المادية التي تنهكنا يوميًا، بدءًا من إيجار أشباه البيوت بمبالغ فلكية، قبل أن أحكي عنك، ضيفي متابع مجلة "المخيم"، دعني أخبرك قصتي.
كنت أعيش في بيت مساحته 300 متر، قريب من البحر، يضم ثلاث غرف نوم، وصالونين، ودورتي مياه، أكتب الآن ولا أتخيل كيف تبدلت حياتنا، فأصبح زوجي يدفع ثلثي راتبه مقابل إيجار غرفة محروقة على السطح، وتكلفة 300 دولار لإنشاء "دورة مياه" صغيرة فيها.
أما المطبخ، الذي كان من المفترض أن يكون أحدث طراز، فتحول من شكله الكلاسيكي السابق إلى خشبة مهترئة منصوبة على حديدتين يأكلهما الصدأ، لكن المهم وجود جدران تحمينا بدلًا من حياة الخيمة.
المعاناة لم تتوقف هنا، فلا خصوصية لدينا، فأصحاب البيت يقضون معظم وقتهم على سطح المنزل الذي تقع فيه غرفتنا، تلك التي تحتوينا نحن الستة، ولا نستطيع تجاوز المساحة المخصصة لنا حتى لنشر ملابسنا، وفي حال تأخرنا عن دفع الإيجار، بسبب تأخر الرواتب، تندلع عاصفة من الشتائم، حين يخرج علينا صاحب البيت، وهو رجل كبير تجاوز السبعين من عمره، مهددًا ومتوعّدًا بطردنا، حتى إن أحفاده يعتدون على أطفالي.
"ما الذي يصبّركم على هذه الحياة؟" سؤال يطرحه كل من يسمع قصتنا، لكن من يعيشها يدرك جيدًا معنى: "اللي جابرك على المُرّ، أمرّ منه".
" ليس الجزاء من جنس العمل"
بعد أكثر من عام قضته ميساء المصري "36 عاما" في مخيمات النزوح بمواصي خان يونس برفقة زوجها وأطفالها الأربعة، قررت، بعد وقف إطلاق النار، البحث عن مأوى لهم بدلًا من حياة الخيام، حيث القوارض والحشرات والمكان غير الملائم للأطفال.
وبعد معاناة قضاها زوجها في البحث عن مكان بديل للخيام، استأجر من جاره "حاصلًا" بمساحة 20 مترًا، متهالكًا ومتضررًا من القصف، بجانب بيتها القديم في خان يونس "البلد".
حاول إصلاحه ووضع النايلون على الشبابيك، كما تكلف بإعداد حمام ومطبخ صغير، مقابل إيجار شهري بلغ 2500 شيكل.
وتحكي المصري أنه بعد شهر واحد من سكنها ومعاناتها، رفع صاحب "الحاصل" الإيجار إلى 3000 شيكل، كونه يعلم أن زوجها يعمل في مؤسسة دولية، معلقة: "راتب زوجي بالكاد يكفينا في ظل الظروف الصعبة، وكثيرًا ما نعتمد على طعام التكايا، عدا عن أن خيارات الإيجار أمامنا محدودة".
وتتذكر كيف فتحت بيتها للنازحين من شرق خان يونس خلال عدوان عام 2014، وأكرمتهم بالمأكل والمشرب والفراش، ولم يطلب زوجها أي مقابل من أحد، معلقة باستغراب: "كيف تغيّر الناس؟ في السابق كان الجميع يتعاضد ويتسابق في استقبال النازحين، بخلاف اليوم حيث الاستغلال".
وبعد سبعة أشهر قضتها المصري وعائلتها في "الحاصل"، استأجر زوجها قطعة أرض زراعية لينصب خيمتهم هناك، مقابل مبلغ وصل إلى 1500 شيكل، معلقة: "أهون من حياة الذل عند صاحب الحاصل، الذي كان يراقبنا باستمرار، خاصة حين أُعدّ طعامًا، فيرسل زوجته لأُسكب لهم، وكأنني خادمة لديهم(..) لا رحمة ولا تعاون".
"حمار" يطل علينا
أما شاهين مسعود – موظف سلطة - ، فوضعه مختلف؛ فهو بالأصل من سكان جباليا، لكن منزله دُمّر كحال جميع بيوت جيرانه، ما اضطره للنزوح إلى النصيرات، حيث تنقّل بين مدارس الإيواء حتى استقر، قبل وقف إطلاق النار، في أحد المخيمات هناك. وتمكن هو وعائلته من التكيّف مع الحياة الجديدة آنذاك، وكانوا يتبادلون الأدوار بين "طوابير الخبز والمياه والتكايا".
ومع بداية العام، عاد إلى مدينة غزة، وتحديدًا إلى منطقة الشيخ رضوان، حيث استأجر منزلًا أرضيًا مكوّنًا من غرفتين وصالة ودورة مياه ومطبخ، مقابل 700 دولار شهريًا، معتبرًا أن ذلك أفضل من حياة الخيام.
لكنه، كما يقول، ليس محظوظًا؛ فالمنزل الذي يسكنه مهدد بالانهيار في أي لحظة، إذ إن الطوابق العلوية تعرضت للقصف، وأعمدة المبنى بالكاد تتحمل سقف الشقة التي يقيم فيها.
وعن ارتفاع قيمة الإيجار، يعلق قائلًا: "وين بدي أروح ببناتي الصبايا؟ مستعد أجوع وأوفر إيجار البيت، لكن هذا هو المتوفر. حاولت البحث عن مكان أكثر أمانًا، لكن الأسعار أعلى".
ويحكي أن المنزل، كونه معرضًا للسقوط في أي لحظة، ومحيطًا ببيوت مدمرة، أصبح مكانًا يُلقي فيه النازحون قمامتهم بالقرب منه، لدرجة أنه في أحد الأيام وجد "حمارًا" يطل عليهم من مدخل البيت.
حاول البحث عن مأوى لدى أحد معارفه، لكن التجربة كانت قاسية؛ إذ كان يدفع إيجار غرفة بثمن شقة، ويتكفل أيضًا بمصاريف طعامهم على نفقته الخاصة، عدا عن الانتقادات المستمرة والتدخل في خصوصياته، متمنيا أن تبدأ عملية إعادة الإعمار أو إدخال مواد البناء، حتى يتمكن من إعادة بناء منزله والعودة إلى حياة أكثر استقرارًا.
ضبط سوق الإيجارات
ويرى المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الارتفاع الحاد في أسعار الإيجارات بعد عودة النازحين إلى مناطقهم يُعد أمرًا متوقعًا في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته حرب الإبادة على قطاع الإسكان والبنية التحتية في قطاع غزة، موضحًا أن الأزمة الحالية تعود بالدرجة الأولى إلى اختلال واضح في معادلة العرض والطلب داخل سوق العقارات.
ويشير أبو قمر خلال حديثه لمجلة "المخيم" إلى أن الحرب أدت إلى تدمير ما يزيد على 400 ألف وحدة سكنية، إلى جانب تضرر واسع للمنازل والمنشآت والبنية التحتية، مقدّرًا نسبة الدمار في هذه القطاعات بنحو 85%، الأمر الذي تسبب بانخفاض حاد في عدد المساكن المتاحة مقابل ارتفاع كبير في الطلب، خاصة مع عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى المناطق التي بقيت سليمة جزئيًا أو خضعت لإصلاحات مؤقتة.
ويؤكد أن هذا الواقع دفع أسعار الإيجارات إلى مستويات غير مسبوقة، إذ ارتفعت في بعض المناطق إلى أكثر من خمسة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب على غزة، لافتًا إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، بل بعدم تناسبها أصلًا مع مستوى دخل المواطنين، حيث بات من الممكن أن تتجاوز قيمة الإيجار راتب موظف كامل، ما يعكس حجم الاختلال الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه الأسر الفلسطينية.
وفيما يتعلق بظاهرة تأجير أماكن غير ملائمة للسكن، مثل أسطح المنازل أو المساحات غير المجهزة، يوضح أبو قمر أن هذه الممارسات، رغم أنها لا تعكس حالة من التكافل المجتمعي، إلا أنها في الوقت ذاته ناتجة عن الحاجة الماسة لدى السكان والنازحين الباحثين عن أي مأوى في ظل النقص الحاد بالمساكن.
ويرى أن الجهات الحكومية كان يفترض أن تتدخل منذ الأيام الأولى للحرب من أجل ضبط سوق الإيجارات، عبر وضع سقف سعري أو آليات رقابية تحد من الاستغلال، إلا أن حالة الفوضى والانهيار التي فرضتها الحرب حالت دون تطبيق أي إجراءات فعلية حتى الآن.
ويشدد أبو قمر على أن حل أزمة الإيجارات بشكل جذري يبقى مرهونًا بالبدء الفعلي في عملية إعادة إعمار قطاع غزة، وإدخال الكرفانات والمنازل المتنقلة كحلول إسعافية مؤقتة يمكن أن تخفف من الضغط على سوق الإسكان وتساهم في خفض الأسعار بصورة كبيرة. لكنه يلفت إلى أن هذه الخطوات لم تُنفذ حتى اللحظة، ما يعني استمرار الأزمة وتفاقم الأعباء الاقتصادية والمعيشية على السكان.