حمزة أبو الطرابيش
لم يكن أحدٌ ليتوقع ما حصل في حرب عام 2021، التي كان عنوانها "سيف القدس"، حين اشتعلت جميع مناطق الأراضي الفلسطينية، وعلى رأسها فلسطينيو الداخل. يومها، وللمرة الأولى، استشعرت "إسرائيل" بشكل حقيقي الخطر الوجودي، وأن زوالها ليس سوى مسألة وقت.
وعقب التوصل إلى وقف إطلاق النار بين المقاومة و"إسرائيل" في السادس والعشرين من مايو/أيار 2021، توالت تصريحات لزعماء إسرائيليين وحاخامات، تفيد بأن الخطأين الاستراتيجيين اللذين وقعت فيهما "إسرائيل" منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية عام 1948، أولهما أنها أبقت على الوجود الفلسطيني داخل الخط الأخضر، وثانيهما أنها طردت الفلسطينيين إلى البلدان المجاورة وأقامت لهم مخيمات، في حين كان الأولى -وفق تلك التصريحات- إبعادهم إلى أبعد نقطة ممكنة.
وتفسر هذه التصريحات أن "إسرائيل" دولة أمنية بالدرجة الأولى، وأن الوجود الفلسطيني على أرضه وفي المناطق المجاورة أو المحاذية يمثل خطرًا وجوديًا في العقلية الإسرائيلية. ويُقدَّر عدد الفلسطينيين في الداخل المحتل بنحو مليونَي فلسطيني، ويصف بعض المفكرين الإسرائيليين هذا الوجود بأنه "قنبلة ديموغرافية موقوتة" قد تنفجر في أي لحظة.
وانطلاقًا من هذه المقدمة، بدا واضحًا، من خلال تعامل الجيش الإسرائيلي في حرب الإبادة على قطاع غزة طوال الأعوام الثلاثة الماضية، أن صناع القرار في "إسرائيل" يحاولون ترميم ما يعدونه خطأهم الاستراتيجي المتعلق بالوجود الفلسطيني، وذلك عبر ارتكاب آلاف المجازر بحق المدنيين في غزة. وتشير الأرقام الأولية إلى أن الجيش ارتكب قرابة 20 ألف مجزرة بحق العائلات الفلسطينية، ولم يبق من كثير منها سوى فرد واحد، فيما مُحيت مئات العائلات من السجل المدني، ولم يبق منها سوى قائمة بأسمائها.
بل إن الجيش وصل إلى قتل نحو ألف فلسطيني في لحظة واحدة. ومن أبرز تلك المجازر، المذبحة التي وقعت في المستشفى المعمداني في مدينة غزة، والتي راح ضحيتها قرابة 700 مدني، والمذبحة الأخرى التي وقعت في بلوك (6) وسط مخيم جباليا، والمعروفة لاحقًا باسم "مذبحة السنايدة"، والتي راح ضحيتها نحو ألف شخص بين شهيد وجريح، أغلبهم من النساء والأطفال.
ولو أُتيحت لـ"إسرائيل" فرصة أخرى لارتكاب مزيد من المجازر في غزة، لفعلت ذلك من حيث انتهت، وبقدرة أكبر، وبأدوات قتل غير مسبوقة.
من زاوية أخرى، وبعيدًا عن الحديث عن ترميم الخطأ الاستراتيجي الإسرائيلي، فإن ما شهدته غزة من تطهير عرقي قد يراه البعض مقدمة لما يُعرف بـ"نظرية المليار الذهبي"، التي تزعم وجود نخب عالمية تسعى إلى الحفاظ على مستوى معيشي مرتفع لنحو مليار شخص فقط، حتى لو كان ذلك على حساب بقية سكان العالم أو عبر تقليص أعدادهم.
بعيدًا عن النظريات والتوقعات، يبقى السؤال المطروح: ما المطلوب من الفلسطيني أمام محاولات شطبه في غزة، ودفعه إلى الهجرة القسرية أو الطوعية، وحملات التوسع الاستيطاني اليومية في الضفة المحتلة، واشتداد القبضة الأمنية في الداخل المحتل؟
في الإجابة عن الشق الأول، وخاصة أن محتوى مجلة "مخيم" موجَّه بالدرجة الأولى إلى الفلسطينيين في قطاع غزة، فإن المطلوب هو التمسك بالأرض، وفهم معنى الوجود الفلسطيني. صحيح أن الظروف المأساوية، من العيش في خيمة، والجوع، والأمراض، والفقر، تشكل حواجز أمام أي محاولة للنهوض، لكن مع الأسف لا يوجد طريق آخر سوى التمسك بفكرة البقاء والوجود.
وعليه، فإن فكرة الزواج وإنشاء أسرة في قطاع غزة قد تكون من أولى صور التمسك بالأرض، ومواجهة التطهير العرقي الذي تسعى إليه "إسرائيل" بكل الأدوات المتاحة. فالأمر ليس مجرد زوج وزوجة وإنجاب طفل أو طفلة، بل هو أعمق من ذلك بكثير، وليس مجرد تحدٍّ أو إرادة، وإنما ترجمة لاستمرار الكيان الفلسطيني الممتد عبر عشرات الأجيال التي تجرعت مرارة النكبة وما بعدها. وبصيغة أخرى، فإن بناء أسرة فلسطينية في هذه الظروف وهذا التوقيت هو حفاظ على الهوية الفلسطينية واستمرارها.
أنا ابن عائلة صغيرة، مُحي الجزء الأكبر منها من السجل المدني حين ارتكبت "إسرائيل" مجزرة بحقنا في ديسمبر/كانون الأول 2024، فقتلت الجيل الأول بأكمله، وجزءًا كبيرًا من الجيل الثاني. وبعد شهرين من المجزرة، عقدنا قران ثلاثة من أبناء العم من الجيل الرابع، وكانت الفكرة واضحة، وهي محاولة الإبقاء على نسل العائلة.
إن دعم الشباب وتشجيعهم على الزواج، مع مراعاة ظروفهم في غزة، ليس ترفًا ولا هروبًا من الواقع، بل ضرورة ملحة، وقد يكون في سياق معين واجبًا وطنيًا، خاصة بالنسبة إلى الشبان والشابات الذين نجوا وحدهم من المجازر، أو أولئك الذين بقوا على قيد الحياة بعد فقدان عائلاتهم.
ولتسهيل هذه العملية، يجب على الأهالي وضع حد معقول للمهور، والتخفيف عن الشباب المقبلين على الزواج، إلى جانب خفض تكاليف حفلات الزفاف، إذ ظهر مؤخرًا في غزة أن مبالغ كبيرة تُدفع مقابل إقامة حفلات الزواج.